فهرس الكتاب

الصفحة 3531 من 27364

من المهم ـ في هذا السياق ـ أن نوضح بعض المداخل المهمة التي يتخذها مروجو «العولمة» سبيلاً إلى «تهيئة» العقل والوجدان الإنساني لقبولها، ولعل من أبرز هذه المداخل مقولة: «العالم أصبح قرية واحدة» ، وهي أصبحت محور الرسالة الإعلامية الجديدة التي تقابل الإنسان العربي والمسلم الآن في الصحيفة والبرنامج الإذاعي والتلفزيوني وغير ذلك، وأصبحت هذه العبارة اللطيفة الظريفة إحدى بوابات التخريب القيمي في مجتمعات المسلمين، والعالم الثالث بوجه عام، بل هي ـ في تقديري ـ أحدث أنواع المخدرات الثقافية التي تستخدم لشل طاقات النقد والتمحيص تجاه الوافدات الفكرية والقيمية التي تتسلل إلى ديار المسلمين عبر أكثر من منفذ ووسيلة، فإذا أراد بعض «المستوردين» أو الوكلاء المحليين للتيارات القيمية والأدبية الأجنبية أن يسوِّقوا بضاعتهم المستوردة في مجتمعاتنا، على ما فيها من إباحية أو شذوذ فكري أو فساد عقَدي ـ فتجدهم لا يكلفون أنفسهم عناء بذل الجهد الفكري والمعرفي المخلص لنقد هذا الجديد، وطرح المسوِّغ الموضوعي لتمريره بين الناس، على ما فيه من خطر بالغ، وإنما يكفيهم أن يصكوا وجهك بالعبارة السحرية: «يا أخي! إن العالم أصبح قرية واحدة» ! بمعنى: إنك لا تستطيع أن تعزل نفسك عن مجريات العالم وتياراته، وعلى الرغم من معقولية منطلق هذه العبارة، فإن ترجمة الموقف المترتب عليها هو الذي يحمل الخبث والتضليل؛ فالعالم تتقاطع المؤثرات العالمية فيه، وتمرر الكثير من هذه التيارات عبر أجهزة الاتصال الحديثة التي تطوي المسافات بل وتلغيها، إلا أن هذا الاختراق التقني لا يمكن بحال أن ينفي خصوصيات الشعوب، ولا أن يدمر بنيان القيم، ولا أن يزلزل ثبات المعتقد والدين، ولا أن يبدل المقومات الأساسية للمجتمع، أي مجتمع؛ ولذلك تجد أن الدول الأوروبية ذاتها ـ التي سوَّقت لنا هذه العبارة الرشيقة ـ تتخذ أحياناً من القوانين والإجراءات ما يقطع بفساد قصة: «العالم الذي أصبح قرية واحدة» ، كرفض السلطات الفرنسية السماح للعرب المهاجرين باستخدام أجهزة البث الفضائي «الدش» في بعض المناطق، ومصادرة السلطات السويسرية لبعض كتب روجيه جارودي، ومصادرة السلطات البريطانية لكتاب عن «مارجريت تاتشر» أو فيلم عن المسيح رأت أنه مغرض ومسيء، ومصادرة السلطات الفرنسية لكتب سيد قطب وأحمد ديدات، ثم تراجعها عن بعض ذلك، وموقفها من الحجاب، ومن استعمال كلمات غير فرنسية لمحلات ونحوها، كما أن التجوال في العالم المعاصر يؤكد لنا بالبرهان الحي ـ أنه على الرغم من الجبروت الإعلامي عابر القارات، فإن طبائع الشعوب وخصوصياتها، الثقافية والدينية والخلقية تبقى متمايزة، بمعنى أن الصمود ممكن، والحفاظ على الهوية يرتبط بإرادة الشعب الذي يرفض الذوبان فيما يصنعه الآخرون، وأن العالم يبقى ـ على الرغم من كل شيء ـ ثقافات وهويات، وليس هوية واحدة، وليس قرية واحدة، ولكن الإلحاح ما زال مستمراً على تمرير هذه المقولة في أوساط النخب الثقافية والإعلامية في بلادنا، بل تسللت إلى أحاديث رجل الشارع.

كيف يمكن أن نتفاعل مع «العولمة» في المجال الإعلامي؟

من دون مبالغة يمكننا القول أن أهم المكتسبات التي حققتها العولمة لشعوب العالم وأعظمها هي تلك التي تكونت على الصعيد الإعلامي؛ حيث إن ظهور شبكة الإنترنت الرهيبة مثَّل انقلاباً كبيراً في معنى التواصل الإنساني، ومعنى الحوار، ومعنى الرسالة الإعلامية العالمية، كما أن ظهور البث الفضائي الإذاعي والتلفزيوني أتاح فرصاً مدهشة للتواصل الإعلامي الفعال مع كل إنسان في العالم، وبشكل لم يتصوره الناس من قبل. وكذلك تخفيف حساسيات الدولة القومية من وجود النشاطات الإعلامية والإنسانية الأجنبية على أراضيها جعل هناك مساحة واسعة من الحركة والتفاعل الإنساني بين الصوت الإسلامي والإنسان المعاصر في غير ما مكان من عالم اليوم. والذي لا شك فيه أن هذه الآليات هي نتاج تغوُّل فكرة العولمة، والبحث عن وسائل لاختراق الحدود أو تجاوزها وبسرعة توصيل الرسالة الفكرية والإعلامية المراد توصيلها إلى كل إنسان على وجه الأرض وبسرعة فائقة. وقد نجحت بلا شك المؤسسات الإعلامية الدولية في الاستفادة من هذه الآليات بما يخدم مصالحها، وقد وصل جزء كبير من الفساد عن هذا الطريق إلى الإنسان المعاصر في العالم الإسلامي والعربي بشكل خاص، ولكن بالمقابل فإن هذه الآليات قد أتاحت قدراً مدهشاً للحركة أمام النشاط الإسلامي الإعلامي والثقافي، ويكفي أن نشير إلى أن غالبية المواقع العربية على شبكة الإنترنت هي لمؤسسات إسلامية صغيرة أو كبيرة أو حتى شخصية، واستخدامات البريد الإلكتروني وساحات الحوار ونحو ذلك خير شاهد على هذه الحقيقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت