ثم ألم تسمع أن الألمان يشعرون بالانزعاج المقرف لمن يحدثهم بغير لغتهم، وأنهم يرفضون الإجابة عنه حتى وإن كانوا يحسنون الحديث بها، وأن الفرنسيين يشمئزون ممن يتحدث بالإنجليزية مع أن أم الإنجليزية لا تبعد عنهم سوى رمية حجر؟!
ألا تصيبك أخي القارئ الدهشة حينما ترى الفرنسيين ـ وهم أقرب الدول إلى الإنجليز ـ وقد حافظوا على لغتهم، بل وساهموا في نشرها وامتدادها خارج حدودهم الجغرافية؟!
لو كانت فرنسا دولة عربية أو إسلامية فهل تظن أن الحال سيكون كذلك؟!
إذن لماذا العربية هي المستباحة الحمى؟ أم كما قال العقاد عنها: «لقد تعرضت وحدها من بين لغات العالم لكل ما ينصبُّ عليها من معاول الهدم ويحيط بها من دسائس الراصدين لها؛ لأنها قوام فكرة وثقافة وعلاقة تاريخية» .
إن هذه المقدمة، هي مقدمة الجيش الذي سنخوض به هذه المعركة الشرسة التي تواجهها لغتنا العربية في ظل هذه العولمة الشرسة البشعة.
إن اعتزاز الإنسان بقيمه ومبادئه هو أول الطريق إلى انتصاره ولو طال الأمد، فلا يمكن لنا مقاومة هذا الزحف اللغوي العولمي بجيوشه الجرارة بجنود ملأ نفوسها الخور، وهد قواها نظرية «إعجاب المغلوب بالغالب» .
وعليه فلا بد من حملة ضارية يحملها العلماء وقادة الفكر أولاً لإعادة ثقة هذه الأمة بلغتها، واستنهاض هممهم للذود عنها من خلال الخطوات الآتية، وهي:
1 -نشر اللغة العربية في أكبر رقعة جغرافية ممكنة، وهذا الأمر تؤيده وتسهل القيام به مسوغات شرعية، ومسوغات واقعية، ولا شك أن نتائجه ملموسة وسريعة.
وللقيام بهذه المهمة لا بد من سلوك قنوات عدة أذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
أ ـ نشر اللغة بين الأقليات غير العربية التي تعيش في بلاد عربية، مثل بلاد المغرب العربي، ولو يدرك المسؤولون في تلك البلاد فوائد هذا الأمر حتى من ناحية سياسية لاستقرار البلاد لسارعوا إليه.
ب ـ نشر اللغة العربية في البلاد الإسلامية الناطقة بغير العربية، وهي كثيرة وتمثل ثقلاً سكانياً مثل إندونيسيا، والباكستان، وبنغلاديش، وقد بدأت بذكر هذه البلاد؛ لأن مسلمي تلك البلاد لهم عاطفة جياشة تجاه الإسلام، وتجاه تعلم اللغة العربية، ولا تهمل هذه الخطوة أيضاً مع البلاد التي تبدي تعاطفاً أقل مثل تركياً.
ج ـ ويتلو هذه البلاد في الأولوية البلاد الغربية، سواء قلنا نشر اللغة العربية بين الجاليات المسلمة التي تعيش فيها، أو حتى بين الغربيين أنفسهم، ويوجد في بلاد الغرب متحمسون كثيرون للتعرف على الثقافة العربية، والدين الإسلامي، وهذا قد يكون مفتاحاً لتفهم مزايا هذه اللغة، أو مفتاحاً لتعلم الإسلام.
2 -نشر اللغة العربية الفصيحة بين المتحدثين بالعامية في جميع الأقطار العربية؛ وتخيل يا أخي القارئ لو أن العالم العربي كله من الخليج إلى المحيط، يتحدثون العربية الفصحى أو ما يقاربها، ألا ترى أن ذلك يكون أقوى على إزالة الحواجز القبلية والعرقية واللغوية بين المسلمين في العالم الإسلامي، ومن ثم يمهد الأرض للعمل من أجل الوحدة الإسلامية؟
وحتى يكون هذا الهدف واقعياً، فلنقل: لنقتربْ من الفصحى بقدر الإمكان، ويمكن تحقيق نتائج إيجابية بنسبة مقبولة وبسرعة إذا تمت معالجة بعض الظواهر المرضية التي تشكل مناخاً ملائماً لفُشُوِّ العامية في البلاد العربية، مثل:
أ ـ استخدام العامية لغة للإعلام المرئي والمقروء؛ وللأسف أن بعض الدول العربية لم تمانع في أقل الأحوال من استخدام العامية في بعض الصحف والمجلات المحلية، ناهيك عن استخدام العامية في بعض خطابات مسؤوليها.
ب ـ انتشار ما أسميه بالفكر الفلكلوري أو التراثي؛ حيث تعمد بعض الجهات بحسن نية أو بسوئها إلى تبني العامية وجعلها مظهراً من مظاهر الاعتزاز بالتاريخ، وتعبيراً عن الانتماء الإقليمي أو الوطني، حيث تعمد إلى النبش عن تاريخ العامية، وأهميتها، وأثرها في تنمية الوعي الوطني، ودورها في المحافظة على قيم وثقافة ذلك البلد، بالإضافة إلى نشر الكتابات العامية، وتبني الشعر العامي، أو النبطي كما يسمى في بلاد الجزيرة العربية، وعليه؛ فحتى يمكن نشر العربية الفصيحة فإنه يتوجب علينا أن نبين للناس مدى خطورة هذا الفكر، ومحاولة محاصرته في دوائر ضيقة.
ويحسن بي هنا أن أذكر بعض ما يمكن اتخاذه من أجل محاصرة العامية، وتجاوز ما تقوم به ضد انتشار العربية الفصحى:
أ ـ بيان خطر العامية على وحدة العالم العربي، ويمكن أن يدلل على ذلك بأن العامية أصبحت في بعض البلاد، إذا ما قورنت بعامية أخرى، كلغة غير عربية؛ فلو أنك جمعت رجلاً من أقحاح قلب الجزيرة العربية، كالقصيم، ورجلاً من أقحاح بلاد الشام، كلبنان، وثالثاً من الجزائر لاحتاجوا إلى مترجم يساعدهم في التخاطب فيما بينهم. ويمكن للقارئ أن يقوم بتجربة يسيرة تبين له صدق هذا الافتراض؛ فلو أخذ بعض العبارات المتداولة في بلاد الجزائر ودفعها لشخص من لبنان، أو إلى آخر من السعودية، لما استطاعا فهم أكثرها، وهكذا العكس.