فكرة الإسلام كدين ودولة فاجئت الغرب لأنهم كانوا قد تصوروا أن الإسلام دجن وأن المسلمين قبلوا بفصل الدين عن الدولة وأن الإسلام صار لونا من النصرانية..كان يعتقدون أن المسلمين قد تركوا الدنيا وانكفئوا على العبادة فقط،لكنه فجأة أكتشف حيوية الإسلام كدين ودولة.
وعندما كتب هنري كيسنجر"انتهزوا الفرصة"في أواخر الثمانينات قبيل سقوط الاتحاد السوفيتي وعرف ما يسمونه بالأصولية فقال هي التي تريد بعث الحضارة الإسلامية..تطبيق الشريعة الإسلامية..أن الإسلام دين ودولة..وهم ثوار وليسوا محافظين لأنهم ينظرون إلى المستقبل ويستلهمون الماضي ولكنهم لا يريدون العودة بالعربة إلى الماضي.
إذن مشكلة المشروع الغربي مع الإسلام في كون الإسلام دين ودولة وأنه استعصى على العلمنة وبالتالي فإن عقيدة المسلم تريد تحرير عقيدته، الأرض والثروة وأن يجعل الدنيا للمسلمين أيضا.
حرب دينية
* إذن في ضوء ما عرضته..هل ما يحدث بيننا والعالم الغربي حاليا حرب دينية أم مجرد مأزق تاريخي من الممكن تفاديه أو التعامل معه؟
نعم،هذا ينقلنا إلى زاوية جديدة ذلك أن البعض يشكك في عداء الغرب وعداء أمريكا للإسلام،ويقول أنه ليس عداء للإسلام وليست حربا على الإسلام وإنما هي حرب مصالح..وهذا صحيح لأن الغرب براجماتي ونفعي ودينه هو المال والمصالح، لكن دائما وأبدا عبر التاريخ وفي كل المجتمعات والحضارات سنجد أن المصالح لا تنفصل عن الأفكار..وعلى سبيل المثال عندما كانت الدولة الرومانية تحتل مصر حاربت المسيحية واضطهدت المسيحيين المصريين طوال ستة قرون لأن المسيحية كانت تمثل ذاتية مصر وعامل من عوامل تحررها وكان قهر هذه المسيحية هو تحقيق لمصالح الدولة الرومانية في مصر..أيضا الحروب الصليبية وقد كانت تريد احتلال الشرق إلا أنها تمثلت بالدين واستخدمت غطائه.وفي العصر الحديث كان الهجوم على الدولة العثمانية وعلى فكرة الخلافة سبيل لتقسيم العالم الإسلامي واحتوائه، بل إن الحرب على حركات التحرر الوطني في العالم العربي أخذت شكل الهجوم على القومية العربية..إذن كانت المصلحة دائما ما ترتبط بالفكر..الغرب عندما حراب الشيوعية كان في ذلك يدافع عن النظام الرأسمالي لكن حربه كانت ضد أيديولوجية.
ووفقا لتلك الأحداث التاريخية ستجد أن الذين ينكرون وجود حروب دينية هم بلا شك مخطئون..صحيح نحن ضد الحروب الدينية لكنها موجودة وتمارس ضد المسلمين،مثلما نحن ضد الحروب بصفة عامة إلا أن ذلك لا يلغي وجودها بل ويفرض علينا القتال كما يقول الله في القرآن"كتب عليكم القتال كما كتب على الذين من قبلكم"فالمسلمين لا يريدون أن يقاتلوا إلا إذا اعتدي عليهم أو على دينهم..هناك فارق دون شك بين ما نريد وما هو واقع وموجود..نحن لا نريد صدام حضارات، لكنه موجود.
إذن هناك استخدام للدين في الصراعات وتحقيق المصالح، فمثلا وفي إطار الحضارة المسيحية..أمريكا الشمالية تعتبر أمريكا الجنوبية هي الفناء الخلفي لها،والأرجنتين دولة كاثوليكية لكن أميركا البروتاستنتية تبشر بمذهبها هناك واستطاعت تحويل أكثر من 30% من أهل الأرجنتين إلى المذهب البروتستانتي.
أمريكا تريد التبشير أيضا في روسيا والكنيسة الروسية جعلت البرلمان الروسي (مجلس الدوما) يصدر قانون ديني يمنع التبشير بالمذاهب الغربية..إذن حتى في داخل الحضارة الغربية يستخدم الدين في تحقيق المصالح لأنه ليست هناك مصالح عارية،ولا تتحقق الأموال والثروات بدون أفكار ولذلك فقد أرتبط الغزو الثقافي الأوروبي بالغزو الاستعماري..الغرب والاستعمار في حاجة إلى إقناع المستعمرين بتأييد هذه التبعية وهذا النهب.
ومن خلال تجارب التاريخ نتعلم أيضا أن احتلال الأرض لا يمكن أن يتم إلا باحتلال العقول وجزء من احتلال العقول هو الدين والفكر الديني..والغرب في صراعه ضد الإسلام ينظر إلى الدين الإسلامي باعتباره الجامع الموحد للأمة والطاقة المحركة لها وأنه يجب أولا أن يعمل على تفكيك هذا الجامع حتى يحقق هدفه في شرذمة المسلمين وهزيمتهم واستسلامهم.
والحديث على أن الصراع هو صراع مصالح وليس صراع أفكار وأديان هو حديث وهمي..الغرب لا يريد الصراع ضد الإسلام لأنه يريد إدخال المسلمين جنة النصارى، إنما هو يريد مصالح في العالم الإسلامي ويعادي الإسلام لأنه سياج للمصالح الذاتية والقومية والحضارية والنهضوية للأمة.
جنة الغرب
* الغرب وجد إذن أن مشروعه في العولمة الاقتصادية لن يتحقق إلا بعولمة الآخرين ثقافيا أيضا؟
نعم العولمة الثقافية والدين جزء أساسي من هوية الأمة..الدين واللغة والتاريخ ثالوث يعادي دائما الهيمنة الاستعماري،وهذا ما فطنت إليه فرنسا خلال احتلالها الشمال الأفريقي حيث غيرت وبدلت في عناصر الهوية هذه من لغة ودين والشريعة..الحرب على الإسلام إذن ليس هدفها إنقاذ المسلمين من الكفر وإدخالهم الإيمان والجنة، ليس في المسألة حبا في خلاص المسلمين وإنما هي حب في ثروتهم وفي الهيمنة عليهم ومحاولة ضرب السياج الفكري والعقدي الذي يحمي المصالح الإسلامية والطاقة التي تحرك الأمة في معارك التحرر الوطني.