فهرس الكتاب

الصفحة 4054 من 27364

هذا صحيح من حيث أصل فكرة التحول فهي كما ذكرنا أصلها التوبة إلى الله والإقلاع عن كبيرة الربا، فقرار التحول يجب أن يكون فوراً بلا شك لأنه توبة والتوبة من الربا لا يجوز معها التراخي، لكن الأمر من الناحية الواقعية والعملية يستغرق أجلاً طويلاً، وذلك نظراً لوجود عدد من الظروف والأحوال والإجراءات الفنية والقانونية التي لايمكن للبنك التقليدي أن يتخطاها إلا خلال عدة سنوات، بل إن محاولة تجاوزها فوراً قد يترتب عليه انهيار البنك بالكامل، ولذلك وجدنا المعيار الشرعي رقم (6) الصادر عن المجلس الشرعي بهيئة المحاسبة والمراجعة الإسلامية قد نص على"ضرورة الأخذ بمبادئ وقواعد السياسة الشرعية في التحول بما لا يؤدي إلى انهيار البنك بالكامل"، وبالتالي فإن تصور أن يتحول البنك الربوي إلى إسلامي بالكامل خلال شهر أو شهرين أو ثلاثة هو أمر غير واقعي ويتعذر تطبيقه عملياً.

ولنوضح ذلك فنقول: البنك الربوي مرتبط بالعديد من التعاملات مع الغير فيكون في بعضها دائناً بالربا ويكون في بعضها الآخر مديناً بالربا، وهو ما يعرف بالحقوق والالتزامات الربوية أو المتاجرة بالديون، وهي بطبيعة الحال علاقات قانونية مالية تخالف الشريعة الإسلامية، فإذا عرفنا أن البنك الربوي يعقد في اليوم الواحد آلاف العمليات ذات الصيغ والأشكال المتعددة، والتي تترتب عليها حقوق والتزامات وآثار قانونية ربوية بآجال مختلفة، فلا شك أن أسلمة هذا الكم الكبير من العمليات الربوية ذات الآجال والأشكال المختلفة سيستغرق وقتاً ومعالجة تمتد في بعض تطبيقاتها إلى ما يزيد على العشر سنوات، وذلك مثل التزامات البنك ومديونياته طويلة الأجل.

ماذا عن موقف الفقه الإسلامي المعاصر من قضية تحول البنوك الربوية وأسلمة أعمالها؟ وهل موقفه فيها واضح وصريح؟

بحمد الله تعالى، أثبتت الشريعة الإسلامية بثوابتها ومرونتها أنها قادرة على استيعاب كل متطلبات الحياة المالية والتجارية وبجدارة، والحقيقة أن هناك العديد من الأبحاث والدراسات الأكاديمية والحالات الميدانية التي عالجت قضية التحول نحو المصرفية الإسلامية، ولعل من أجودها وأشملها الرسالة العلمية بعنوان:"تحول البنوك الربوية إلى بنوك إسلامية"لسعادة أخي الدكتور سعود عبدالعزيز الربيعة... أستاذ الاقتصاد الإسلامي في جامعة الكويت، كما توجد بعض الأبحاث الموجزة التي رصدت بعض التجارب الميدانية مثل ورقة د.سعيد مرطان في تجربة التحول الجزئي للبنك الأهلي التجاري في المملكة العربية السعودية، هذا على الصعيد البحثي الفردي، وأما على صعيد الإسهامات المجمعية فقد أصدر المجلس الشرعي بهيئة المحاسبة والمراجعة الإسلامية في مملكة البحرين المعيار الشرعي رقم (6) والذي يختص بالتحول الكلي، وهو معيار جيد إلا أنه مختصر جداً وخاص بالتحول الكلي فقط ويحتاج إلى تطوير وتفصيل.

وأما على الصعيد المهني المصرفي فقد قام مكتب المستشار الشرعي الدولي في دولة الكويت مؤخراً بإعداد استراتيجية عامة لإدارة متطلبات التحول نحو المصرفية الإسلامية باستيعاب المتطلبات الشرعية والفنية، كما تم تسجيل حقوق هذالمنتج ضمن برنامج حقوق الملكية في دولة الكويت.

وماذا عن التحول الجزئي؟

التحول الجزئي، يعرف باسم"النوافذ الإسلامية في البنوك الربوية"wendos وأول ما عُرفت هذه النوافذ بجمهورية مصر العربية وعرفت آنذاك باسم:"الشبابيك الإسلامية"التي كان البنك يخصصها داخل الفرع لتلبية حاجة العملاء الراغبين في هذا النوع من التعامل المتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، حيث يقدم البنك التقليدي خطوط تمويل وخدمات مصرفية واستثمارية وفق أحكام الشريعة الإسلامية، واليوم نجد أن النوافذ الإسلامية في البنوك الربوية قد أخذت صوراً متعددة، فمنها المحافظ والصناديق الإسلامية التي يطرحها البنك الربوي، ومنها أن يتفح البنك الربوي حسابات استثمارية وحسابات توفير تدار وفقاً لأحكام الشريعة، ومنها أن يخصص البنك فروعاً خاصة للمعاملات المصرفية الإسلامية.

لكن ما الحكم الشرعي لمثل هذه النوافذ الإسلامية، خاصة أنه في نهاية المطاف يمكن أن يختلط فيها الحلال مع الحرام؟

لا شك أن هذا التساؤل وجيه وفي محله، وفي نظري أن ممارسة العمل المصرفي الإسلامي في داخل البنك الربوي لا تخلو في كثير منها من التلاعب والتحايل والتضليل واستغلال الشعار الإسلامي، ولذلك ظهرت آراء فقهية معاصرة تحرم التعامل مع هذه النوافذ للأسباب التي أشرتم إليها، بل وجدنا بعض الفقهاء المعاصرين يطلق على هذه النوافذ اسم"نوافذ الضرار"قياساً على مسجد الضرار الذي بناه المنافقون تضليلاً وتحايلاً في زمن النبي ، في حين ذهب فقهاء آخرون إلى إباحة هذه النوافذ لأن فيها توسيعاً لدائرة المعاملات الحلال داخل البنك وتضيقاً لدائرة الربا والمعاملات المحرمة، ولأن تكاثر المعاملات الحلال داخل البنك التقليدي ستثبت كفاءتها في الأجل الطويل بما يحمل البنك على التحول الكلي نحو الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية بالكامل.

ولكن ما رأيكم الشخصي في حكم التعامل مع هذه النوافذ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت