يقول أحمد أبو حسن زرد الباحث في الشؤون السياسية: يشكل حوار الحضارات أحد الاهتمامات الإنسانية في عصر العولمة؛ حيث تعقد الندوات والمؤتمرات على المستويات المحلية والإقليمية والدولية كافة لاستشراف المستقبل بشأن هذه المسألة، والبحث بصفة أساسية عن القواسم المشتركة بين الحضارات الإنسانية؛ وذلك من أجل احتواء كل العوامل التي قد تفضي إلى حدوث صراع حضاري قد تكون له عواقبه الوخيمة على مسيرة التقدم الإنساني"."
ويرى خبراء العلاقات الدولية الإسلامية أن التعاون والتفاهم والتعايش هي سمات أساسية للعلاقات الخارجية الإسلامية ليس هذا فحسب، بل إنَّه لا توجد صعوبات في العمل مع الأطراف الدولية كافة لتطوير قواعد القانون الدولي ووضع أسس نظام دولي جديد أكثر عدلاً واستقراراً يحظى بالقبول من الجميع.
اختيار خيار لغة الحوار لا يعني بالضرورة الشعور بالخذلان والضعف فتاريخ المسلمين وهم في قمة الهيمنة السياسية حافل بالحوارات مع غيرهم. ففي ذروة الفتوحات الإسلامية (632-750م) كانت هناك علاقات سلمية بين الدولة العباسية وبيزنطة، وحدثت صلات وثيقة بين"أكس لاشابيل"عاصمة"شارلمان"ملك الفرنج وبين بغداد عاصمة الرشيد.
وبعد انتهاء الحروب الصليبية أبرِمت معاهدات الصداقة والتحالف بين السلطان المملوكي"الأشرف خليل"سلطان مصر وسورية و"دون جيم"ملك الأرجون، والتي نصت على أن يكون الأخير صديقاً للأشرف خليل وعدواً لأعدائه، ثم توثقت العلاقات الدبلوماسية بين السلطان المملوكي وعدد من الدول الأوروبية.
موقف العالم من الحوار
حين طرح الرئيس الإيراني محمد خاتمي نظرية حوار الحضارات في سبتمبر عام 1997م خلال كلمة ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لقيت الفكرة إقبالاً، وعليه حدد عام 2001م عام حوار الحضارات ليكون الحوار معياراً للعلاقات الدولية.
يقول خاتمي عن وجهة نظره:"..إن نظرية حوار الثقافات ليست مجرد شعار فارغ عن المضمون، وإنما حاجة البشر الملحة.. يدل على ذلك إقبال الشعوب عليها، وإن الحوار يجب أن يحتل منعطفاً جديداً في العلاقات الدولية.."
وقال"كوفي عنان"الأمين العام للأمم المتحدة في كلمته خلال افتتاح قمة الألفية بهذا الصدد"من الممكن أن يحل الحوار محل الصدام والنزاع. وإنه الحوار لأحسن أداة أخلاقية ودينية"وعين كوفي عنان"جياندو دومينكو بيكو"مندوباً خاصاً لمتابعة موضوع الحوار، وكلفه بأن يتصل بالمثقفين من البلاد المختلفة لتحديد إطار يجب أن يحدث الحوار فيه ليقدم لائحة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وقد بذلت إيران جهداً كبيراً في تكريس هذه الفكرة، منها على سبيل المثال انعقاد المؤتمر الثاني لحوار الحضارات الذي تم في طهران في نوفمبر الماضى بحضور ممثلين للحضارات الأربع القديمة: مصر، وإيران، واليونان، وإيطاليا (روما القديمة) التي بإمكانها لعب دور مهم في حل قضايا يعاني منها البشر، على رأسها قضية الفقر المدقع، والظلم الاجتماعي، وتهريب وإدمان المخدرات، والأزمات الأسرية والأخلاقية، والجرائم المنظمة وغير المنظمة، وتلوث البيئة، وعشرات من القضايا الأخرى ذات الصفة الدولية خارج إطار الحدود الجغرافية والعرقية والدينية، وضرورة استمرار حوار الحضارات، وقبول مبدأ تنوع واختلاف العادات والحضارات.
وكذلك أبدت منظمة المؤتمر الإسلامي اهتماماً بهذا الشأن. فمنذ عام (1997م) تدعو المنظمة إلى إجراء حوار بين الإسلام والغرب. ونصت في ميثاقها على أن أحد أهدافها الأساسية هو إيجاد المناخ الملائم لتعزيز التعاون والتفاهم الدوليين"، وأكدت"أن الحضارة الإسلامية تقوم بشكل ثابت عبر التاريخ على التعايش السلمي والتعاون والتفاهم المتبادل بين الحضارات، وكذلك على التحاور البنَّاء مع الديانات والأفكار الأخرى.
أهداف الحوار
ولعل الرئيس الإيراني أراد بطرح نظرية الحوار إنجاز أهداف أهمها:
أولا: إجراء الحوار بين المسلمين بمختلف حضاراتهم قبل انعقاده مع غيرهم بهدف التقريب بينهم. ونلاحظ أن فكرة تشكيل"سوق إسلامي مشترك"، وتعزيز السياحة بين الدول الإسلامية من أجل التقريب بين الأمة الإسلامية من حصيلة هذه المحاولة. وقد تبنت إيران شعار"السياحة ذريعة لإبلاغ رسالة السلام والتعرف على الثقافات"في مجلس وزراء السياحة لأعضاء المؤتمر الإسلامي في شهر أكتوبر الماضى، حيث يرى الخبراء أن السياح خير سفراء لبلادهم لحل المآزق الثقافية العالقة بين الشعوب المختلفة.
ثانياً: فتح باب الحوار مع الغرب ومواجهة العولمة الثقافية والحضارية، بصورة إيجابية فاعلة وبناءة، ذلك تحاشياً لضغوط وابتزازات يمارسها الغرب على غيرهم من الشعوب بصورة مباشرة وغير مباشرة وبشتى الوسائل.