فلسطين: ففي إشارة ذات مغزى يعلق محررا مذكرات ديفيد بن جوريون على ما ذكره في يوم 6-12-1948م بأن حكومة النقراشي راغبة في الخروج من الحرب، ولكن
النقراشي باشا يخشى (الوضع الداخلي) إذا بدأ محادثات سلام !.. يعلقا بقولهما:"ازداد غليان (الإخوان المسلمين) في مصر، وفي كانون الأول - ديسمبر فرض حظر على التنظيم واعتقل قادته (في حين كان أعضاؤه يقاتلون في أرض إسرائيل) " (4) .- والآن من المعروف أنه بعد انتكاس حركات تحرير فلسطين (الفندقية) لم يبق في ساحة الصراع الحقيقي والعملي مع العدو الصهيوني سوى الحركات الإسلامية، وعلى رأسها حركتا حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتان، وهذا يعرفه الجميع.هذا في الوقت الذي تحولت فيه منظمات التحرير الفندقية إلى (جنين) نظام علماني يرتبط صراحة مع دولة العدو ومع أمريكا بتعهدات واتفاقات سياسية وأمنية واستخباراتية للتعاون في مواجهة (الإرهاب) الذي هو حركات مقاومة العدو الصهيوني، ووفقاً لهذه التعهدات والاتفاقيات تقوم أجهزة الأمن (الفلسطينية) بحملات اعتقال ودهم لعناصر هذه الحركات، كما يتم تبادل المعلومات مع أجهزة الأمن (الإسرائيلية) حول هذه الحركات، ويتم تأميم مساجدها ومؤسساتها وطرق اتصالها بالجماهير، بل يتبجح مسؤولو السلطة بهذا التعاون، باعتباره وفاءً بالتزامات لاتفاقيات دولية !، وهكذا كان"التعاون اللصيق بين أجهزة الاستخبارات والأمن في إسرائيل،السلطة الفلسطينية، والأردن، ووكالة الاستخبارات الأمريكية، هو الذي أجهض جزءاً كبيراً من عمل حماس العسكري، وكذلك الجهاد الإسلامي ؛ فقواعد المعلومات الأمنية بين هذه الأطراف أصبحت مشتركة (!) وواحدة، ولم يعد أحدها يبخل على الآخر بما لديه، وتبادل المعلومات والمراقبة اللصيقة يتمان بتنسيق وتناغم" (5) . - ولم يقتصر الأمر على جهود النظم العلمانية لمحاصرة المقاومة العسكرية للعدو الصهيوني والوقوف حائلاً دونها، بل تعدتها إلى العمل على محاصرة المقاومة الشعبية غير العسكرية وإجهاضها، ففور اندلاع انتفاضة الأقصى الأخيرة تسارعت جهود النظم العلمانية لعقد المؤتمرات باشتراك إسرائيل وأمريكا من أجل احتواء (العنف) وإيقافه والعودة إلى مسار المفاوضات، وتعالت صيحات بعض المثقفين والسياسيين العلمانيين (الحكماء) من فوق مقاعدهم الوثيرة بأن تحرير فلسطين لن يتم بإلقاء الحجارة ونزف الدم الفلسطيني.وعندما تعاطفت جماهير العالم الإسلامي مع إخوانهم في فلسطين خرج من يلقي عليهم المواعظ السياسية التي تدعوهم إلى الواقعية الحكيمة؛ لأن مظاهر هذا التعاطف لا تفيد شيئاً في تحرير فلسطين، بل إن الدعوات إلى مقاطعة البضائع والشركات الأمريكية والإسرائيلية التي نشطت مؤخراً ولقيت تجاوباً شعبياً واسعاً.. لم تسلم من انتقادات حكومات ورموز علمانية، فتعالت مرة أخرى صيحات الحكماء العلمانيين بعدم جدوى هذه المقاطعة وعدم القدرة عليها، ولا شك أن هذه المواقف متوقعه ممن ربطوا بلادهم سياسياً واقتصادياً بالغرب، بحيث أصبح قطع حبل العلاقات بالغرب قطعاً لشريان حياتهم هم. رابعاً: التمزق والتشرذم في مواجهة عدو متكتل: لم يقتصر التأثير السياسي للعلمانية في قضية فلسطين على إخراج الإسلام من دائرة الصراع وما تبع ذلك من افتقار إلى البعد الرسالي في الصراع، وإلغاء العداوة (من أجل المبدأ) ، والافتقار إلى إرادة القتال، وهدر الطاقات الإسلامية والشعبية في هذا الصراع.. ولكن هذا التأثير حقق أيضاً هدفاً آخر من المخطط الصهيوني، وهو تفتيت التكتل الإسلامي، وإدخال الأمة في دائرة تمزقات متشعبة، وإدخال الأفراد في متاهة اغتراب قيمي عندما ضاعت بوصلة هويته على يد العلمانية. فاختلاف مذاهب العلمانية وتطبيقاتها، وتباين كل قطر في توجهاته ومصالحه (التي لم تعد موحدة) .. مزق جهود هذه الأقطار في مجالات عديدة فكرية وجغرافية وسياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية، فبين الليبرالية ودرجاتها، والاشتراكية ونظرياتها، والقومية وتطبيقاتها، وبين الارتباط بالغرب أو بالشرق أو محاولة التوسط والتوفيق بينهما ضاعت جهود الأمة، أو تحولت إلى تصريحات جوفاء ومشاهد مسرحية دعائية يقوم بها الزعماء العلمانيون؛ لإلهاء الشعوب وحفظ ماء الوجه أمامها. فالعلمانية عندما اعتمدت القومية العربية إطاراً للصراع تكون قضية فلسطين قد خسرت تلقائياً إمكانات وجهود الأقطار الإسلامية غير العربية من المشاركة في هذا الصراع، وليس أدل على ذلك من اعتراف إيران وتركيا مبكراً كما ذكرنا سابقاً بالدولة الصهيونية ومد يد التعاون معها. زد على ذلك: أن العلمانية لم تكتف بتحييد الشعوب الإسلامية غير العربية في الصراع، بل عملت أيضاً على تحييد الشعوب العربية نفسها، عندما كرست التوجه القائل بأن قضية فلسطين قضية فلسطينية تخص شعب فلسطين وحده، ولا يبقى للشعوب العربية الأخرى إلا أن (تتعاطف) مع هذا الشعب في محنته ومأساته.وقد كان إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية وانحرافها العلماني إحدى الخطوات في (فلسطنة) الصراع، وجدير بالذكر في هذا المجال (التمزق والفلسطنة) أن (زعيم القومية العربية)