فهرس الكتاب

الصفحة 5183 من 27364

جمال عبد الناصر، وقبيل بدء مغامراته الاستنزافية والتمزيقية في اليمن، كان قد أعلن في فبراير عام 1958م قيام دولة وحدة عربية بين مصر وسورية، ف

"استبشر بها الفلسطينيون خيراً، وبنوا الآمال الكبار عليها متوقعين من دولة الوحدة اتخاذ خطوات إيجابية لعودة الفلسطينيين إلى بلادهم وتحرير أرضهم المحتلة، إلا أنخيبة أملهم كانت كبيرة عندما رفض عبد الناصر طلباً تقدم به الحاج أمين الحسيني رئيس اللجنة العربية العليا بقبول فلسطين في الاتحاد السوري المصري. ويبدو أن عبد الناصر كان متخوفاً من أن يؤدي قبوله بهذه الوحدة إلى تحمله مسؤولية تحرير فلسطين وممارسة الضغوط عليه لإعطاء المسألة الفلسطينية دوراً أكبر، بينما لم يكن عبد الناصر يعطي الأولوية للقضية الفلسطينية. ويقول باتريك سل: إن دولة الوحدة لم يكن القضاء على إسرائيل هدفاً من أهدافها" (1) . وذلك يؤكد أن القومية العربية العلمانية في ممارستها العملية كانت أداة لتمزيق القوى المواجهة للعدو الصهيوني، ولم تكن أداة للتوحد العربي كما يزعمون أو يُنَظِّرون. وإذا أخذنا لدراسة هذا الأثر العلماني مجالاً يتأثر بغيره من المجالات ويؤثر في غيره أيضاً، وهو المجال العسكري، نموذجاً لهذا التمزق، نجد أن من أهم أسباب الهزيمة في فلسطين باعتراف جميع الأطراف هو ذلك التمزق الذي اعتراه.فإضافة إلى أخطاء النظم العلمانية العسكرية الأخرى، كالتهوين من قوة العدو والاستخفاف بها، والأسلحة الفاسدة، وضعف التدريب والتسليح، والافتقار إلى التخطيط الجيد... كان لتشرذم القوات العربية تحت قيادات مختلفة متخالفة أثر كبير في الهزيمة العسكرية، ففي حرب 1948م يعرض ديفيد بن جوريون وجهة نظره في أسباب هزيمة العرب التي ساهمت في انتصار اليهود عسكرياً عليهم بأنها:"1- خطتهم الاستراتيجية كانت سيئة، ولا سيما خطة المصريين. 2- لم تكن لديهم قيادة موحدة {أثر العامل السياسي} .3 - تسليحهم لم يكن كافياً لم يكن هناك قوة جوية، ومصر كانت ضعيفة في البحر. 4- الطاقة البشرية المجندة لم تكن كافية أيضاً. استطعنا تعبئة قوة أكبر من قوتهم .5 - معنوياتهم منخفضة {لافتقاد الهدف وضياع الهوية والتخبط العسكري} .6 - قدرة تعلم منخفضة. 7 - لم تكن عندهم صناعة عسكرية {أثر العامل الاقتصادي والعلمي} (1) .وهذا ما يقر به علمانيو العرب أنفسهم، ولكن بالطبع بعد انتهاء المعارك.بل وصل هذا التشرذم والتمزق إلى حد بعيد قد لا يتصوره أي (متعاطف) مع القضية الفلسطينية: فيذكر بن جوريون في يومية 16-1-1949م أن موشيه دايان عاد بعد حديث مع أحد القادة العرب ليخبره أن"العجوز يشكو من الإنجليز الذين هو عبدهم (!) ، يطلب عدم ترك المصريين، لا سمح الله !، في غزة، من المفضل أن نسلمها إلى الشيطان، أن نأخذها نحن، شرط ألا يأخذها المصريون (!) " (2) ، أما النظرة الاستراتيجية عند هذا (العجوز) فيوضحها هو نفسه لليهود قائلاً:"إذا غادرت الدول العربية البلد فإننا سنقيم معاً"، وفي صراحة لا لبس فيها يوضح أنه"لا يريد محادثات مشتركة مع الدول العربية، وهذه عليها المغادرة"، بل إنه لا يعترف بحق أي دولة في أن تكون موجودة في البلد {فلسطين} باستثناء اثنتين: إسرائيل ودولته" (3) . ولا شك أن هذا التمزق والتشرذم العسكري والسياسي كان عاملاً مهماً في الهزيمة العسكرية وما صاحبها ولحقها من تراجع سياسي، تمثل في اكتساب الصهاينة أرضاً جديدة وقبول العرب الهدنة التي مكنت العدو من إعادة تنظيم صفوفه وتعويض وتجديد تسليحه، والتفرغ لبناء دولته في ظل اعتراف عربي ضمني بحدودها، بينما تحطمت القوة العربية وتدنت الروح المعنوية في صفوف جنودها، أما عرب فلسطين: فكان لهم الشتات!.كان هذا أيام النكبة العلمانية، ولا يختلف الأمر كثيراً في نكستهم الثورية التقدمية الوحدوية... سنة 1967م: فقد وقعت هذه النكسة (هكذا يطلق إعلامهم على هذه الهزيمة وكأنهم كانوا منتصرين قبلها) وقعت د استنزاف طويل وصراع بين عدة أطراف عربية، ورطها فيها زعيم القومية العربية آنذاك جمال عبد الناصر، كان منها: حرب اليمن والوحدة الفاشلة بين مصر وسورية.ويؤكد مراسل حربي لجريدة الأوبزرفر على حقيقة تسبب التفرق والتشرذم في هذه الهزيمة، فيقول:"إن الإسرائيليين اعتمدوا في ذلك على أن القوات العربية ليست تحت قيادة موحدة، وإن الأحداث أكدت صحة هذا الاعتقاد".وقال:"... وعلى الجبهة الشمالية سورية، تحققت نبوءة المخططين الإسرائيليين، وكانت عمليات القوات السورية محدودة جداً، فلم يقم السوريون بأية عمليات جدية لمساعدة المصريين في الخروج من المأزق الذي وقعوا فيه، وانحصرت مساعيهم في هجومات محلية على مستعمرتي حدود إسرائيليتين" (4) . وتعجب بعد ذلك لجريدة (الثورة) تخرج بعد اكتمال الهزيمة لتلقننا درساً وحدوياً قائلة"... كان يمكن أن تكون نتائج المعركة أعظم بكثير لو توافر تنسيق أوسع للاستراتيجية العربية ورافق ذلك توزيع أدق للقوات" (5) . ولا شك أن العلمانية بتمزيقها للأمة وإدخالها في صراعات تستهلك قدراتها وتلهي شعوبها قد أسدت إلى الدولة الصهيونية خدمة كبرى وحققت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت