فهرس الكتاب

الصفحة 5661 من 27364

التفسير الآخر- أو أن أمريكا تسعى من خلال ما تدعيه إلى إقناع الآخرين بأن نهجها وخط سيرها توجيه إلهي ورسالة مقدسة لا يصح الاعتراض عليها. وأن الهيمنة الأمريكية قدر أمام شعوب العالم لا مفر منه.

ومن هنا -ولكون القوم صدقوا أنفسهم بما يدّعونه- فهم يتساءلون مستنكرين ومستغربين كراهية الآخرين لهم"لماذا يكرهوننا.؟!"، وكأنهم لم يقرؤوا تاريخ بلادهم، ولا واقعها الحاضر والمشاهد، وعلى كل الأصعدة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية!!

والإقرار والتصديق لهذا التصور، وهذا المفهوم الغيبي الذي يدّعونه يصلح أن يكون تفسيراً لكثير من الممارسات والسياسات غير المسوّغة وغير المنطقية التي تجترحها الإدارة الأمريكية بكل هذا القدر من العنف والصلف والهياج الثوري نسبة إلى الثور، وليس إلى الثورة، والذي يبدو وكأنه تطبيق واقعي وعملي لما يدور في أفلام رعاة البقر السينمائية، وهنا تكمن الخطورة.

غير أنك وعندما تقرأ في تاريخ هذه الدولة ستجد أن ما ادّعاه جورج بوش لم يكن حصراً على هذا الرجل، ولم يكن أمراً محدثاً تفرّد به هذا الرئيس، واخترعه من بنات أفكاره بل إنك ستجد كثيراً من النخب والزعامات والمنظرين الذين يزخر بهم التاريخ الأمريكي سبقوه إلى ذلك، ابتداء من جورج واشنطن المؤسس ومتابعة على أثره من عدد غير محدود من رجالات الفكر والسياسة الأمريكية.

يقول الدكتور فهد العرابي الحارثي في كتابه (أمريكا التي تعلمنا الديمقراطية والعدل) صفحة (311) :"إن الرئيس الأمريكي (ويليام ماكينلي) عندما أمر بغزو الفلبين عام 1898م وقف يخطب في شعبه علناً، ويقول: نحن لم نذهب إلى الفلبين بهدف احتلالها, لكن المسألة أن السيد المسيح زارني في المنام، وطلب مني أن نتصرف كأمريكيين ونذهب إلى الفلبين لكي نجعل شعبها يتمتع بالحضارة. ويذكر -والكلام مازال للدكتور الحارثي- أن رونالد ريغان أعلن ذات يوم أن ثراء ورخاء الولايات المتحدة يرجع لكونها (أمة مباركة من الله) ، وهذه مغالطة غير مقبولة، كما يقول روجيه غارودي؛ لأن هذا الثراء يرجع إلى استغلال العالم، وخاصة العالم الثالث عبر فرض المنتجات الأمريكية بالقوة، وعبر غزو رؤوس الأموال الأمريكية للدول التي تنخفض فيها المرتبات، وعبر الفوائد الاستغلالية للقروض. ويقود كل ذلك ويباركه علامة الصليب على أسنة السيوف كصنم يمثل الذهب والموت كما يقول غارودي."

ومع كل هذه الهرطقات المكشوفة وغير المنطقية، والادعاءات الباطلة بإلوهية التوجّه الأمريكي -والتي إن قبلها وأقر بها الآخرون- فإن العقلية القرآنية، والمنطق الإيماني الذي يتحلى به المسلم حتى في أدنى مراتبه الثقافية والعلمية يرفض قبول هذا المنطق والتصديق به.

مع هذا كله نرى واحداً من مثقفينا يستحي من هؤلاء الذين هذا منطقهم، ويدعونا إلى الخجل والاستحياء من القول بأن ما أصاب أمريكا من أعاصير مدمرة قد يكون غضباً إلهياً أرسله الله على هؤلاء القوم.

وإنه لمن حقنا -كمتلقين وكقراء (لمثل هكذا كتابات) - أن نتساءل: عمن هو الأجدر بأن يكون مثيراً للخجل والضحك؟ أهو هذا المنتصر - كما يسميه بعض إخواننا الكتاب - والذي يدّعي أحدهم بأن الله يقول له: اذهب، وحارب الآخرين، ودمر ديارهم، وسق الذرائع كل الذرائع حتى وإن كانت كاذبة، حتى وإن قتلت المدنيين، حتى وإن عارضك العالم كله. أمضي إلى كل ذلك بأمر إلهي مباشر من الله. أهذا الذي يقول مثل هذا القول، ويبني عليه كل هذا الفعل المتوحش المشين أجدر بأن يكون مثيراً للاستهجان والاستنكار؟ ولا أقول للضحك إلا إذا كان ضحكاً كالبكاء كما يقول المتنبي، وشر البلية ما يضحك!!

أم أن هؤلاء القائلين بأن أعاصير كاترينا وريتا قد تكون عقاباً إلهياً حل على أمريكا لقاء استكبارها وجرمها هم من يثير الخجل والضحك؟ ولا أعتقد بأن هناك مقارنة بين ما ادّعاه بوش مما لا يقبله عقل ولا منطق وهو الرجل الأخطر الذي يملك زمام أقوى قوى الحرب والتدمير في العالم؟

وبين ما قال به هؤلاء الذين لا يملكون سوى كلام لا يقتل أحداً، ولا يدمر بيوتاً، والذين يُكال لهم بتعالم واستعلاء ظاهر كل صفات التحقير والتسفيه والسذاجة، وهو الذي يدعو إلى احترام الآخرين. علماً أن ما قالوه لا يستدعي كل هذا التشنج والاستخفاف والخجل، لا لكون هذا التهجم أسلوباً متدنياً للنقاش والمحاورة فحسب، بل لكون ما يقولون به رأي له مايسنده من الدين، كما وأن له ما يبرره من الواقع والتاريخ الأمريكيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت