فهرس الكتاب
وإن كنا نرى كمسلمين أن ليس لأحد الحق بأن يجزم بتفسير ظواهر الكون وكوارث الطبيعة تفسيراً يتقول به على الله فيما لا يعلم، ولكننا -وفي الوقت ذاته- نعلم أيضاً أن الله سبحانه وتعالى قد أهلك أقواماً بكوارث مناخيه كان من بينها الريح الصرصر العاتية كما وطوفان المياه وخسف الأرض، وقد كان كل ذلك عقاباً إلهياً لأفعال مشينة ومعاصٍ ترتكب أمريكا المعاصرة أمثالها، بل وعلى مستوى الدولة وكنظم وقوانين تبيح المحرمات كالشذوذ والزنا والاستكبار في الأرض، وأكل أموال الناس بالباطل، بل وتدافع عن كل ذلك وتسعى لفرضه على الآخرين كقيم أمريكية راقية وحضارية. حتى وإن عارضه هؤلاء الآخرون، وعارضته عقائدهم ودياناتهم وقيمهم الحضارية، كما حدث ذلك عندما تدخلت لما تسميه حماية حقوق المثليين (الشواذ) في مصر المسلمة على سبيل المثال.
إن ممارسات أمريكا عبر تاريخها منذ التأسيس وحتى اليوم هي وحدها ما يدعو لكراهيتها والتوجس منها بدليل أن هذه الكراهية، وهذا التوجس لم ينسحبا على بلاد كالصين واليابان وكوريا مثلاً، فليست العبرة بالاختلاف والتغاير في المعتقد والمفاهيم بل العبرة بالممارسات والأفعال والوقائع.
وتعالوا معنا نقلب صفحات الواقع والتاريخ الأمريكيين: حديثه وقديمه علنا لنرى الصورة بوضوح.
أما واقع اليوم فأمريكا تقول وعلى لسان جورج دبليو بوش:"إن من ليس معنا فهو ضدنا"وهذا عين الكراهية، وعين الإطاحة وإقصاء الآخر. وهي تسوق العالم بكل وسائل القوة والتهديد والابتزاز لغرض الهيمنة والتعالي والاستكبار على هذا الآخر. لا تلتفت في هذه السبيل لاعتبارات الحق والعدل، ولا للشرائع والمواثيق الدولية، ولا تقيم وزناً واحتراماً لخصوصيات الآخرين. وأقرب الأمثلة على ذلك وأوضحها هو ما فعلته وما تفعله في العراق وفي أفغانستان، وتباركه وتدعمه وتدافع عنه من أعمال إسرائيل بفلسطين من القتل والتدمير واحتلال الأراضي ومصادرتها والتشريد والقهر للإنسان الفلسطيني على مدى أكثر من خمسين عاماً خلت وحتى اليوم.
أما التاريخ كشاهد على تنامي كراهية أمريكا لدى الآخرين، وليس لدينا وحدنا فحدث ولا حرج، ابتداءً من حرب الاستقلال"كما يسمونها"والتي هي في حقيقتها حرب استئصال، ومحو لأهل البلاد الأصليين؛ حيث تعرض الهنود الحمر لعملية إبادة متوحشة يندى لها جبين الإنسانية جمعاء، ولا يمكن للتاريخ الأمريكي أن يتخلص من عارها.
يقول نعوم تشو مسكي في تواريخ الانشقاق، وهي حوارات أُجريت معه وطُبعت في كتاب ترجمه محمد نجار يقول:"الولايات المتحدة وُجدت وأُسست على دمار السكان الأصليين للبلاد. فقبل أن يكتشف كولومبس أمريكا، فقد قدر السكان الذين كانوا يعيشون شمال (ريوجراند) من (12-15) مليون نسمة إلا أنهم تقلصوا مع بداية هذا القرن -يعني القرن العشرين- إلى مائتي ألف نسمه فقط"وكتب جورج واشنطن في إحدى رسائله إلى المفوض للشؤون الهندية يقول:"إن طرد الهنود من أوطانهم بقوة السلاح لا يختلف عن طرد الوحوش المفترسة من غاباتها"، وسن الكونغرس عام 1830م قانون ترحيل الهنود بالقوة من شرق المسيسبي إلى غربه، فصار من حق كل مستوطن أن يطرد الهندي من بيته وأرضه، وأن يقتله إذا لم يستجب لصوت العقل"، وقد استخدم الأمريكيون لإبادة سكان البلاد الأصليين بالإضافة إلى القتل وهدم المدن والقرى استخدموا وسائل أكثر وحشية وحقداً؛ فقد قاموا بنشر وباء الجدري بين قبائل الهنود بوساطة التلويث المتعمد بجراثيم هذا الوباء للأغطية التي أُرسلت لهم، كما اعترف بذلك (وليم براد فور) حاكم ولاية بليموت الذي يرى أن نشر الجدري بين الهنود يدخل السرور والبهجة على قلب الله!! راجع كتاب الدكتور الحارثي. ولم يحصل بقايا هؤلاء الهنود الحمر على الجنسية الأمريكية إلا عام 1924م وفي عام 1976م فقط أقر الكونغرس للهنود الحمر بحق ممارسة دياناتهم الخاصة بهم."
وفي أواخر القرن التاسع عشر اجتاحت القوات الأمريكية الفلبين وارتكبت أبشع الفظائع هناك. يقول أحد أعضاء الكونغرس ضمن تقرير له على إثر زيارة قام بها للفلبين:"إن الجنود الأمريكيين قتلوا كل رجل وامرأة، وكل سجين وأسير، وكل مشتبه به ابتداءً من سن العاشرة، وهم أي الجنود الأمريكيون يعتقدون أن الفلبيني ليس أفضل كثيراً من كلبه وخصوصاً أن الأوامر الصادرة لهم من قائدهم فرانكين قالت لهم:"لا أريد أسرى، ولا أريد سجلات مكتوبة". والجنرال (جاكوب سميث) أمر بذبح (8249) طفلاً وَ (2714) امرأة، وَ (420) رجلاً في جزيرة ساما أيام الاحتلال الأمريكي للفلبين. راجع كتاب أمريكا التي تعلمنا الديمقراطية والعدل."
وفي ألمانيا وبعد انهيار قوات الرايخ أسفر القصف الجوي العشوائي الأمريكي على المدنيين عن خمسمائة وسبعين ألف قتيل، وثمانمائة ألف جريح.