فهرس الكتاب

الصفحة 5743 من 27364

وهكذا سقطت تركيا معقل الخلافة العثمانية والدولة الإسلامية في حظيرة العلمانية ، وانفرط عقد الشعوب الإسلامية المعقودة حباتها بها وتداعت الأكلة الناقمة المنهومة إلى قصعتها الثرية .

وهكذا تتم المؤامرات التاريخية فاضحة لذيولها من المتسترين عليها تحت غطاء الاستخفاف بما يسمونه ساخرين"نظرية المؤامرة"

وإلى هذا التضليل الذي لم يقابل من الشعوب بوعي مناسب ولم يقاوم بجدية كافية .. ينتسب تاريخ اضمحلال المسلمين - جزاء وفاقا - في القرن العشرين والذي بعده: بدءا من دم الخليفة مرورا بدم التركي والمصري والمغربي والبلقاني والشامي والفلسطيني والعراقي وصولا إلى دماء الشهداء المخلصين القادمين من بعد

هذا ما بدأ تطبيقه بتوسع مندفع منذ ما يقرب من قرن ، في تركيا ، وكان قد بدأ من قبل ولكن ببطء محسوب في مصرما يزال يجر ذيوله حتى اليوم

دخلت بوادر العلمانية مصر - كما يقول الدكتور السيد أحمد فرج- ( مع الحملة الفرنسية ومن يومها عششت في أرضها ولم تخرج أبدا ، تثيرها أحداث فتظهر في ميادان الفكر الديني والسياسي ، وتحجبها أحداث فتختفي إلى حين تظهرها أحداث أخرى وهكذا ، وقد يختلف الشكل الذي تظهر به في كل مرة ولكن الغاية واحدة دائما") جذور العلمانية ط 3 ص3"

ووصف أرنولد توينبي محمد علي بأنه كنابليون"علماني أراد أن يقيم دولة علمانية"جذور ص 11

وينسب الشيخ محمد عبده إلى محمد علي مواقف اشتباه بالعلمنة لا تحسب للدين على الأقل فيقول إنه ( أطلع نجم العلم في البلاد ، ولكنه لم يفكر في بناء التربية على قاعدة من الدين والأدب .. أو وضع حكومة منظمة يقام بها الشرع ويستقر العدل )

ثم يقول:( وقد لا يستحيي بعض الأحداث من أن يقول: إن محمد علي جعل من جدران سلطانه بنية من الدين .. فليقل لنا أحد من الناس: أي عمل من أعماله ظهرت فيه رائحة للدين الإسلامي .. إلا مسألة الوهابية ، وأهل الدين يعلمون أن الإغارة فيها كانت على الدين لا للدين

نعم أخذ ما كان للمساجد من الرزق ، وأبدله بشيء من النقد يسمى فائض روزنامة لا يساوي جزءا من الألف من إيرادها ، وأخذ من أوقاف الجامع الأزهر ما لو بقي له اليوم لكانت غلته لا تقل عن مليون جنيه في السنة ، { } وقرر له ما يساوي أربعة آلاف جنيه في السنة ، وقصارى أمره في الدين أنه كان يستميل بعض العلماء بالخلع ، أو إجلاسهم على الموائد .. أما أفاضل العلماء فقد كانوا عليه في سخط ماتوا عليه )جذور ص 33 نقلا عن مجلة المنار 5\5\175 - 183

وابحث عن ميزانية الأزهر اليوم وضاعفها ألف مرة لتعلم مدى الضربة التي وجهت إليه والتي ما يزال يعاني أثرها القاتل حتى اليوم إذ حولته موضوعيا إلى جهاز خاضع للسلطة ولو كانت علمانية . فهل أدرك أواعترض أحد من أجداد من يعيرونه اليوم بتبعيته للسلطان ؟

لكن ما الفرق بين موائد محمد علي ، وموائد المندوب السامي البريطاني اللورد كرومر ، وموائد الأحزاب العلمانية من بعد ؟ ولحساب من يكون هذا الفرق ؟

استمر هذا التيار الذي أراده محمد علي قرابة أربعين عاما ، ثم توقف قليلا حتى جاء عهد سعيد 1854 م ، وهي السنة التي دخل فيها المبشران الأمريكيان مكاج وبارنت مصر ليبدآ نشاط الإرساليات الأمريكية

وأهدى سعيد 1862 للإرسالية الأمريكية مبنى كبيرا ليباشروا فيه نشاطهم ، فمنحوه لقب"الأمير الطيب المستنير"واستمرت هذه الإرساليات في ظل الحكومات العلمانية التي تدعمها القوى العلمانية الأوربية ،

وجاء إسماعيل بعد سعيد فألغى المحاكم الشرعية واستبدل بها القانون الفرنسي الجنائي والمدني الذي ترجمه قلم الترجمة برئاسة رفاعة الطهطاوي عام 1863

وفي هذا العهد طور المبشرون جهودهم في خدمة الفكرة الاستعمارية في العصر الحديث مما دعا الاستعماري الإنجليزي بيتر سميث أن يقول في بداية القرن العشرين ("باءت الحروب الصليبية بالفشل ولكن حادثا خطيرا حدث بعد ذلك فقد بعثت انجلترا بحملتها الصليبية الثامنة ، وفازت في هذه المرة"ولهذا سميت حملة اللنبي على القدس أثناء الحرب العالمية الأولى في الكتابات الغربية بالحملة الصليبية الثامنة أو الأخيرة ) أنظر"الكنيسة المصرية تواجه الاستعمار والصهيونية"للدكتور وليم سليمان ، نشر وزارة الثقافة دار الكاتب العربي - ص 18

ومنذ ذلك الوقت سار التبشير والاستعمار والعلمانية جنبا إلى جنب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت