فهرس الكتاب

الصفحة 5744 من 27364

وفي دراسة له نسب الأستاذ الدكتور عزت قرني - - إلى رفاعة الطهطاوي"علمانية المقصد"، ورفاعة هو رجل الأزهر الذي بعثه محمد على إلى فرنسا ثم عاد ليقوم بدور مرموق في مجال التشريع والتوجيه ، وبالرغم من هذا الوصف"علمانية المقصد"فإن الدكتور عزت قرني يحتفظ له بالتمسك بعرى الدين قائلا: ( فهذا الرجل العلماني المقصد !!"محترم"للدين !! و"موقر"لشرائعه !! ومندد بالمظالم ، ولكنه موظف كبير عايش محمد علي وإبراهيم وعباس وسعيد وإسماعيل ورضي عنه معظمهم ، وأنعموا عليه الرتب والتشريفات وألحقوها بإقطاعات هامة حتى ترك لورثته عند وفاته ما يزيد على الألف وستمائة فدان ) !!! جذور ص12- و 37 نقلا عن عزت قرني ، العدالة والحرية في فجر النهضة الحديثة سلسلة عالم المعرفة بالكويت ط 1980 ص103

وهكذا فإن الدكتور عزت ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد: شكك في تعارض العلمانية مع الإسلام ، كما شكك في"ذمة"الطهطاوي

أما الدكتور محمد عمارة فينفي القول باتجاه مصر إلى العلمانية في عهد محمد علي إلى إسماعيل .. باستثناء شواهد عن تزايد النفوذ الأجنبي تحت ضغط الدول الاستعمارية ، وبوادر في القضاء الأجنبي ، مستشهدا بتعليق للقاضي الهولندي"فان بملين"بالمحاكم المختلطة إذ يقول عن القضاء القنصلي: ( إنه وليد الاغتصاب الواقع من الأقوياء على الضعفاء ) كما يقول عن قضاء المحاكم المختلطة وكان قاضيا بها ( إنه ركن قوي من أركان السيطرة الأوربية على مصر )

ثم يتساءل الدكتور محمد عمارة: ( فأين هي علمانية مصر في عهد إسماعيل ؟ إن إسماعيل لم يرد لمصر أن تكون قطعة من أوربا وإنما الذي فرض ذلك عليه هو الاستعمار .. وإن قانون مصر وقضاءها لم يتحول إلى العلمانية على عهد الخديوي إسماعيل .. وما الاختراق الجزئي الذي تمثل في المحاكم القنصلية والمختلطة إلا اغتصاب استعماري لجزء من السيادة الوطنية في مؤسسة التشريع والقضاء )

ثم يقول: ( ولم يكن الطهطاوي وأعلام مصر في عهد إسماعيل بالعلمانيين الذين يخونون شريعة الأمة ومنظومتها القانونية ، وهم رغم ترجمتهم لقانون نابوليون كانوا المدافعين عن جدارة فقه المعاملات الإسلامي بتنظيم المعاملات الحديثة .. والساعين لتقنين هذا الفقه تقنينا حديثا محاولين بذلك مقاومة العلمانية التي كانت سلاحا من أسلحة الغزو الاستعماري الزاحف على بلادنا في عصر إسماعيل )

وإذا كان الدكتورمحمد عمارة ينفي علمانية هذه الشخصيات فإنه لا ينفي البوادر العلمانية التي بدأت تتسلل في عهدهم شيئا فشيئا على يد الاستعمار

وهو يقرر في الوقت نفسه أن الأحداث تلاحقت بعد ذلك ، وشهدت الساحة المصرية سباقا محموما بين القوى الوطنية وبين الاستعمار الغربي الذي سعى لاغتصاب مصر اغتصابا كاملا

فلما هزمت الثورة العرابية واحتلت إنجلترا مصر في سبتمبر 1882 نهض الاستعمار الإنجليزي ممثلا في اللورد كرومر ( 1841 - 1917 ) بتوسيع ثغرة العلمانية التي حدثت في عصر إسماعيل ، وكان الانقلاب العلماني الحقيقي الشامل الذي عمت به البلوى في قانون مصر وقضائها

وكان لا بد لهذا الواقع العلماني الذي زرع في مصر من فكر"يبيض"وجهه ويحسن صورته ويدعو إلى تعميمه في ميادين الثقافة والتعليم ، وهو الدور الذي لعبته مدرسة المقطم من أمثال: يعقوب صروف وشاهين مكاريوس وفارس نمر وشبلي شميل ونقولا حداد وجورجي زيدان وفرح انطوان

وشيئا فشيئا اتسع نطاق هذه المدرسة ليضم عددا من الكتاب والمفكرين المصريين وكان من أبرز هؤلاء الكتاب سلامة موسى ( 1888- 1958 ) وتلاميذه في جانب وأحمد لطفي السيد باشا وتلاميذه في جانب آخر ) أنظر محمد عمارة"العلمانية ونهضتنا الحديثة"ص 114- 145- 152

وينسب بعض الباحثين إلى الشيخ محمد عبده رفضه للعلمانية طبقا لكتابه"الإسلام دين العلم والمدنية"وهذا بديهي لمثله ، ومن ذلك قوله في رده على هانوتو ( إني أعرف ما سردته لي عن تاريخ السلطتين الدينية والسياسية في أوربا .. ولكن ذلك مستحيل في الشرق ولا سيما في الحكومات الإسلامية ، والذين يقولون به من الأجانب ليسوا إلا خصوما للمسلمين لاعتقاد هؤلاء أن في فصل السلطتين ضعفا ترومه أوربا لتنال بغيتها منهم ) أنظر"الإسلام دين العلم والمدنية"للإمام محمد عبده ، عرض وتحقيق وتعليق طاهر الطناحي نشر دار الهلال غير مؤرخ ص 46

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت