فهرس الكتاب

الصفحة 5745 من 27364

ومع هذا فإن آخرين ينسبون إلى اللورد كرومر كيف اتخذ الشيخ تكأة لسياسته في توطين العلمانية بمصر ، وقد جاء ما يفيد ذلك في تقرير اللورد كرومر لسنة 1905 الذي كتبه بمناسبة وفاة محمد عبده وجاء فيه ما ترجمته ( والأيام وحدها هي التي ستكشف عما إذا كانت الآراء التي تعتنقها المدرسة التي تزعمها الشيخ محمد عبده سوف تستطيع التسرب إلى المجتمع الإسلامي ، وأنا شديد الرجاء في أن تنجح في اكتساب الأنصار تدريجيا ، فلا ريب أن مستقبل الإصلاح الإسلامي في صورته الصحيحة المبشرة بالآمال يكمن في هذا الطريق الذي رسمه الشيخ محمد عبده ، وإن أتباعه ليستحقون أن يعاونوا بكل ما هو مستطاع من عطف الأوربي وتشجيعه ) ومما جاء بتقريره المشار إليه أن اتباع الشيخ محمد عبده يقفون في منتصف الطريق بين الطرفين المتناقضين وهما"المحافظون من المسلمين الذين يتمسكون بالأساليب القديمة في كل شأن من الشئون ويصرون على ذلك ، كما أنهم من ناحية أخرى تفصلهم هوة واسعة عن ذلك النفر من المتفرنجين الذين لم يبق لهم من إسلامهم إلا الأسماء )"

ولعل هذه النقطة"المنتصف"بالإضافة إلى ما كان من نشاط الشيخ الاجتماعي والسياسي المشهود في أروقة المتفرنجين وقوة صلته باللورد كرومر ورجال السفارة هي التي جعلت الشيخ موضع الشبهة ، وهدفا للسهام تنهال عليه ولا تزال من الطرف الأول . ساعد عليها أن كان الشيخ شديد الطعن في رجال الأزهر الذي كان يطلق عليه وصف"الاصطبل"و"المخروب"و"المارستان"وهم عادة من الطرف الأول . (!!) أنظر الدكتور محمد محمد حسين في كتابه"الإسلام والحضارة الغربية نشر مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة السابعة لعام 1985 ص80 - 81"

ومهما يكن فمع جهود المعارضين للعلمانية تفوق دعاة العلمانية ، لأن خطتهم كانت واضحة ومدروسة ومستمرة استمرار الزحف الصليبي"فوق الألفي"بينما كانت خطط الإسلاميين وليدة الأحداث ، تظهر كردود فعل وقتية ثم تخبو وتختفي كأن لم تكن ، ونجحت من ثم خطة الاستعمار والمبشرين في فصل الدين ( الإسلامي ) عن السلطة السياسية بدون جلبة ولا ضوضاء

وقد بلغت هذه الخطة ذروتها على يد اللورد كرومر في مصر الذي ( بدأ حملته في أواخر 1906 منددا بالمصلحين الإسلاميين الذين أظهروا ميلا إلى إيقاظ العالم الإسلامي - ومعترفا في تقرير له نشرته مجلة المنار - بأن الحركة الوطنية المصرية في وقته مصبوغة صبغا شديدا بصبغة الجامعة الإسلامية ، ذاهبا إلى أن المقصود بالجامعة الإسلامية بوجه الإجمال: اجتماع المسلمين في العالم كله على تحدي قوات الدول المسيحية ومقاومتها ، مقررا أن الحركة الإسلامية تستلزم السعي في إصلاح أمر الإسلام على النهج الإسلامي ، وبعبارة أخرى السعي في القرن العشرين في إعادة مبادئ وضعت منذ أكثر من ألف سنة(!!) لهيئة اجتماعية في حالة من الفطرة والسذاجة .. مناقضة لأهل هذا العصر ) جذور ص 44 - 46 - 49 نقلا عن تقرير له نشرته جريدة المنار 10\214 - 218 ‍

وتصدى الشيخ محمد رشيد رضا للرد على مزاعم كرومر الواردة في هذا التقرير وإن كان الشيخ رشيد رضا قد بدا منهزما في رده نافيا تفكير المصلحين في الجامعة الإسلامية ، راجعا بهم إلى محض الدعوة الوطنية السياسية"ولم تفتأ هذه الدعوة أن علا صوتها شيئا فشيئا من تركيا ذاتها حيث أدت إلى تمزيق دولة الخلافة ، ولقد أدى ذلك التطور إلى الأدنى - وفقا لرأي الدكتور السيد فرج - من فكرة الجامعة الإسلامية إلى فكرة الوطنية إلى حدوث أمرين خطيرين وكان كلاهما ذا قوة سلبية مدمرة للأمة الإسلامية"

أولهما: أن وقف المسلم العربي في وجه المسلم التركي فيما بعد في الحرب العالمية التي أدارها الاستعمار الغربي خصمهما معا

ثانيهما: أن تلقف المثقفون العرب المسيحيون وتبعهم المسلمون وكلهم علمانيون الفكرة الوطنية فرفعوا أصواتهم يرددون أن الوقت لم يعد مناسبا لرابطة إسلامية . جذور ص 48- 49

وقامت تيارات الماسونية والتبشير والتعليم والبعثات التعليمية والصحافة بتعبيد الأرض لبذر بذور العلمانية وتعهدها بالرعاية والتطبيق

تيار الماسونية التي يقول عنها الشيخ رشيد رضا ( لم يكن لها من ثمرة إلا إعداد النفوس لفصل السياسة والحكومة من الدين ، والاستغناء عن الشرع بالقوانين ، والمؤاخاة بين المسلمين وغيرهم وموالاتهم لهم ) مجلة المنار 15\33

وتيار التبشير الذي بلغ عدد الأمريكيين المنخرطين في مؤسساته في أنحاء العالم 27733 طبقا لإحصاء عام 1958 - د وليم سليمان مرجع سابق ص 54 -

وجاءت مهمة مجلس الكنائس العالمي الذي يحركه رئيسه الفخري العلماني الأمريكي جون رالي موط من أجل العمل وفقا للخطة الاستعمارية في"إبعاد الدين عن الحياة في البلاد الإسلامية من كل مشاركة أو اقتراب في الحياة السياسية أو الاجتماعية او الاقتصادية إبعادا تاما قبل اهتمامهم بالتبشير بالدين المسيحي". جذور العلمانية ص 53-54

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت