فهرس الكتاب

الصفحة 5746 من 27364

وتيار المدارس التي أنشأها الأوربيون في أنحاء بلاد الخلافة العثمانية والتي اعترف المبشرون بأهميتها في تربية الأجيال الجديدة من المسلمين على تقبل الأفكار العلمانية ، وظهر ذلك الاعتراف في مؤتمرهم الذي عقد في عاصمة الدولة العثمانية في العقد الثاني من القرن العشرين ، وقد نشر هذا الاعتراف في مجلة"العالم الإسلامي"التي يحررها هؤلاء المبشرون باللغة الإنجليزية والفرنسية وقد جاء فيه ما نصه: ( اتفقت آراء سفراء الدول الكبرى في عاصمة السلطنة العثمانية على أن معاهد التعليم الثانوية التي أسسها الأوربيون كان لها تأثير كبير في حل المسألة الشرقية ، يرجح على تأثير العمل المشترك الذي قامت به دول أوربا كلها ) جذور العلمانية للدكتور السيد فرج ص 31 نقلا عن المنار للشيخ رشيد رضا 12\824

وكما كان للمدارس المحلية المتفرنجة فقد كان للبعثات التعليمية للخارج دور شديد الأهمية

وكما يقول الدكتور السيد أحمد فرج: شهدت العشرينات من القرن العشرين في مصر أعنف موجة ثقافية تعمل للانسلاخ الكامل من الإسلام ، وقد تزعمها المثقفون الذين تربوا تربية أوربية وتثقفوا بثقافة غربية في معاهد العلم الإنجليزية والفرنسية ، وكان من الطبيعي أن يعود هؤلاء الشباب بعد تعليمهم في انجلترا وفرنسا بآراء حديثة ، تتمثل في التحرر الفكري ، وتتجه بأنظارها إلى هذه الدول الأوربية كمثل أعلى تحاول تقليده ، وأكملت هذه المجموعة من الجيل الناشئ مجهودات بعثات التبشير والبعثات العلمانية التي كانت تعمل داخل الإقليم منذ سنوات ، وأصبح اتجاه الجامعة الإسلامية بالنسبة إليها يعد تقليديا أو قديما ، ويمثل حركة رجعية ترجع بالأمة إلى بضعة قرون ، وتزايد من ثم الشعور بفكرة الوطنية أو القومية

وهكذا قامت هذه التيارات من الماسونية والتبشير والمدارس المتفرنجة والبعثات التعليمية للخارج بدور هام في تنفيذ الخطة التي كان من المفترض أن تقوم على التسلل شيئا فشيئا بهدوء ودون جلبة أو ضوضاء في تونس ومصر خلافا للطريقة الجافة المتسرعة التي تم بها العمل في تركيا

ففي تونس ، يقول هانوتو وزير خارجية فرنسا في مقاله الشهير الذي رد عليه الشيخ محمد عبده: ( تمكنا بواسطة ما أدخلناه من التعديلات الطفيفة شيئا فشيئا من التداخل في شئون البلاد والقبض على أزمتها بدون شعور من أهلها وقام بإعمال هذا التغيير والتبديل وهذا النسخ والتحويل عدد قليل من الموظفين التونسيين ) ويستطرد هانوتو قائلا ( إذن يوجد الآن بلد من بلاد الإسلام قد انفصم الحبل بينه وبين البلاد الإسلامية الأخرى شديدة الاتصال ببعضها ، إذن توجد أرض تنفلت شيئا فشيئا من مكة ومن الماضي الإسلامي .. أرض يصح أن تتخذ مثالا يقاس عليه ) جذور ص 51 نقلا عن د سامي عزيز في كتابه الصحافة المصرية ص 101

وما فعله الفرنسيون في تونس فعله الإنجليز في مصر يقول اللورد كرومر ( على الإنجليز مهمة كبرى هي محاولة ربط مصر بهم ، وصبغها بصبغتهم أو الصبغة التي ترضى فيما بعد أن تكون البلاد جزءا لا يتجزأ من الدولة البريطانية ، كل هذا دون إثارة إحدى الدول ، ودون عنف ، ودون اتخاذ إجراءات قاسية ، ولكن بهدوء وصبر وطول أناة … وبالمصريين المتربين تربية أوربية ) جذور ص 52 نقلا عن د سامي عزيز - الصحافة المصرية ص 224 ، واللورد كرومر: عباس حلمي مطبعة محمد محمد مطر ص 46

وقامت الصحف والمجلات الخادمة لأغراض الاستعمار بدورها الظاهر في بذر بذور العلمانية

فبالإضافة لمؤسسة المقطم المسيحية كانت الصهيونية قد أنشأت لها جرائد ومجلات في مصر تمهد لاحتلال فلسطين قبل انعقاد مؤتمر بال عام 1897 مثل: جريدة الحقيقة 1889 ومجلة الزراعة 1890 ومجلة نهضة إسرائيل عام 1890

وظهرت المجلات التي أصدرها أصحاب دار المقطم - مجلة المقتطف العلمية 1885 ومجلة اللطائف الأدبية 1886 وصحيفة المقطم السياسية 1889 - والتي تربى أصحابها الثلاثة في أكبر مدرسة تبشيرية في الشرق في ذلك الحين وهي الكلية الأمريكية في بيروت ، واقترن أحدهم وهو فارس نمر بابنة قنصل انجلترا بالإسكندرية ، وسافر إلى انجلترا واجتمع بكبار السياسيين فيها ، وشرب أفكارهم قبل إصدار جريدة المقطم بعام ليبثوا فيها الأفكار العلمانية التي يجب أن ينفثها للمصريين - انظر سامي عزيز في كتابه:"الصحافة المصرية وموقفها من الاحتلال الإنجليزي نشر دار الكاتب العربي للطباعة والنشر ص 97 -"

وقد بذر هؤلاء بذورهم العلمانية على أساس الضرورة والمصلحة وأنها تحتم على المصريين أن يرتبطوا بالغرب ، وأن يأخذوا بكل ما يقدمه الأوربيون من خير للمسلمين ، ثم انتقل هذا الرأي إلى المسلمين ، وانتشر بينهم في صورة مبدأ التوفيق بين"الإسلامية والأوربية"الذي استخدمه الصحفيون المسلمون بعد الصحفيين المسيحيين ليكون ذريعة لهم في تملق الاستعمار والتعاون معه والدعوة لمبادئه ، حتى تكون رأي عام يرى أنه لا خطر على البلاد من هذا التقليد ، بل على العكس يكمن فيه سر تقدم البلاد ومدنيتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت