فهرس الكتاب
كذلك يؤكد الدكتور محمد عمارة تراجع علي عبد الرازق صاحب كتاب"الإسلام وأصول الحكم إذ يقول: إن ( علي عبد الرازق تراجع عن موقفه في صمت إذ رفض إعادة طبع كتابه وشرع في كتابة هذا التراجع لكن الأجل لم يمهله وفقا لرواية ابنه ) لكن كيف"يعلن"المفكر رأيه فإذا تراجع تراجع في"صمت"؟ ولماذا ينتظر أن يكتب ؟ وما معنى هذا التراجع بالنسبة لمن ابلغهم رأيه من قبل"علنا"؟ وياله من"علن"على مستوى"العالم"؟"
أما الدكتور محمد حسين هيكل فقد تراجع عن علمانيته كما يظهر بخاصة من بعض كتبه"في حياة محمد"و"منزل الوحي""وأبو بكر الصديق""والفاروق عمر""والحضارة الإسلامية"
وإنه ليسرنا تبرئة زعمائنا ومفكرينا من هذه الوصمة ، وتراجعهم عما بدءوا فيه ، لكن هذا لا ينفي أن موجة العلمانية في مصر صارت عارمة وأفرزت ما أفرزته على المستوى الشعبي وبخاصة في المجال الفكري والثقافي والتشريعي
يقول السلطان عبد الحميد: ( هاهم - أي الإنكليز - قد أخضعوا المصريين بأفكارهم لدرجة أن البعض منهم يؤمن الآن بأن طريق الإنكليز هو السبيل إلى الأمن والنجاة ، ويفضل القومية على الدين(!!) إنهم يظنون أن حضارتهم ستمتزج بحضارة الغرب دون أن يشعروا بأن هناك تضادا بين الحضارة الإسلامية والحضارة النصرانية بحيث لا يمكن أبدا التوفيق بينهما ) أنظر مذكرات السلطان عبد الحميد ص 133
وعلى كل حال ومع التجاوز عن تحليل مواقف شخصيات بعينها فإن التيار العلماني بلغ ذروته في ثورة 1919 ولولاها ( ما كان يمكن للفكر السياسي أن ينتقل من فكر العصور الوسطى إلى علمانية وليبرالية القرن العشرين ) على حد تعبير الدكتور مصطفى الفقي في بحثه بعنوان"الأقباط في السياسة المصرية"ضمن كتاب"الشعب الواحد والوطن الواحد"مركز الدراسات السياسية بالأهرام لعام 1982 ص 87
وبعد ثورة 1919 أبيح لكل الأفكار العلمانية والليبرالية أن ترعى في مصر وتسرح وتمرح ، وأصبح لكل فكر وافد ملتقطوه كالوجودية والاشتراكية والشيوعية واالبراجماتية
وقام حزب الوفد بدوره على المستوى الجماهيري بتجميعهم حول شعاره العتيد: الدين لله والوطن للجميع"ولكنه تنازل عنه بعد ظهور الصحوة الإسلامية في عنفوانها كما جاء في بيان الوفد الجديد 11\3\1984 فقد أعلن رئيسه آنذاك أنه يرفض العلمانية التي تؤدي إلى الفصل بين الدين والدولة كما يرفض الدولة الدينية !"الوفد 22\3\1984 ، وعارضه كثيرون من الوفديين المنسلخين عنه ، ونشر أحدهم مقالا في جريدة الأحرار 2\4\1984 ينكر على الوفد ردته عن العلمانية ، واشترط بعض الوفديين لرفض العلمانية رفض بعض شرائع الإسلام كقطع يد السارق !!! .
ولم يكن هذا الزحف العلماني بغير رد فعل على الجانب الآخر وكان من مظهره المصاحب لتطورات القرن العشرين نشوء الصحوة الإسلامية على يد جماعة الإخوان المسلمين ، والتي أسسها الشهيد حسن البنا عام 1929 والتي سيطرت على الشارع لفترة طويلة ، تيقظت فيها العلمانية للخطر القادم من جهتها ، وحيث كانت وما زالت وحيدة في مواجهتها للتيار العلماني شديد التغلغل فقد نالها في هذه الدورة ما لم ينل مثيلاتها من هذا التيار أو ذاك ، إذ تعرضت لعملية استئصال بشري ومؤسسي وثقافي لا يزال يمارس ضدها حتى اليوم
وبالرغم من ذر الرماد في العيون ضحكا على ذقون من لا يزال يتمسك بأهداب الصحوة .. عندما جاء النص في دستور بعض البلاد الإسلامية على أن"الإسلام هو دين الدولة"، وأن الشريعة"مصدر"أو"المصدر"للتشريع ، تهدئة للصحوة الإسلامية فإن مظاهر تطبيق العلمانية في بلاد الإسلام استمرت متوسعة إلى حد يفوق الحصر: وجرى التطبيق باستبعاد الدين ، اللهم إلا في منبر الدعاية والتأييد:
فبالإضافة إلى شعار حزب"الغالبية":"الدين لله والوطن للجميع"ومحاولة تعديله ثم محاولة الرد على هذا التعديل
أطلق زعيم حزب"الغالبين"شعاره الأشد صرامة ووضوحا"لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة"
وقالوا للأزهر الذي كان ينادي بتطبيق الشريعة: عليك أولا بتقديم مشروعات قوانين من الشريعة الإسلامية ، فلما فرغ من ذلك في عهد الدكتور عبد الحليم محمود حيث أتم مشروعه الكبير في تقنين المذاهب ، ثم في تقنين الشريعة بعامة ، وقدمه لمجلس الشعب فيما سمي"تقنين الشريعة الإسلامية"واحتفى به زمنا رئيس المجلس آنذاك الدكتور صوفي أبو طالب .. قالوا بتواضع شديد: مالنا ولذاك: يكفينا مراجعة ما صدر إن كان مخالفا للشريعة أم لا ، ثم انتقلوا إلى مستوى أكثر تواضعا: يكفينا مراجعة ما سوف يصدر ، ولترقد ترسانة القوانين المخالفة في أمان ، ثم .. ثم ضرب عن ذلك كله صفحا ، وزغردت العلمانية على الأشهاد .
وقررت كل سلطة ما قررت في موضعها:
قال القابضون على قانون الطوارئ:"لا حزب سياسيا بشعار ديني"
ولا دخل للدين في معاهدات الصلح والتطبيع مع العدو
وتقرر أنه لا حجاب للمشتغلات بالتدريس
وأنه: لا دخل للدين في الاقتصاد والتجارة والبنوك مهما كانت ربوية إلا إذا تقدم الشيخ لتشريعها
وأنه: لا دخل للدين بالسياحة