فهرس الكتاب

الصفحة 6243 من 27364

ياسر الزعاترة 27/3/1424

-الغياب المدوي للدولة في حياة الناس، هي أول ملاحظات أي زائر إلى بغداد، ما يحيل البلاد إلى ساحة من الفوضى.

- (بول بريمر) بعد (جي غارنر) لم يقدم شيئاً حتى الآن، والعراقيون ينتظرون تنفيذ قرار إعادة الإعمال.

تقول القراءة الأولى لقرار مجلس الأمن الدولي (رقم 1483) : إن الانتصار الأمريكي السهل والمدوي في العراق قد فرض على أركان التحالف المناهض للحرب أن ينحنوا على ركبهم راكعين أمام السيد الأمريكي، على أمل أن ينسى ما اقترفوه بحقه، فيما هو ماضٍ في عنجهيته، ومعلن أنهم بموافقتهم على القرار إنما يضعون نقطة بيضاء في صفحتهم السوداء ليس إلا، وهو ما تترجمه تلك المواقف التي يرددها كل من (باول) و (كوندوليزا رايس) حول الفرنسيين والألمان، فضلاً عن استجداءات الرئيس الروسي (بوتين) .

تلك هي الصورة الأولى للمشهد، فيما يمكن أن يقال الكثير حول مسلسل الضغوط والتهديدات، ومعها بعض الوعود التي تلقتها تلك العواصم قبل مجيئها إلى مجلس الأمن، معلنة الموافقة على قرار يشرِّع احتلالاً لم يكن شرعياً، بل إن شعاره حول أسلحة الدمار الشامل لا يزال سخيفاً، بدليل أن شيئاً من تلك الأسلحة لم يكتشف بعد !.

ثمة قراءة أخرى للقرار المذكور لا تنفي كل ما قيل عن أن سطوة أمريكية أكبر على المشهد الدولي قد تبلورت إثر احتلال العراق، ومن ثم تشريع احتلاله ووضعه تحت الوصاية الأمريكية البريطانية، وتتعلق تلك القراءة بالجانب العراقي الداخلي.

الزائر لبغداد يلحظ أول ما يلحظ ذلك الغياب المدوي للدولة في حياة الناس، ما يحيل البلاد إلى ساحة من الفوضى. وغياب الدولة هنا هو غياب لكل تفاصيلها، حتى أن مولوداً جديداً لم يسجل منذ أكثر من شهرين، وكذلك شأن الأموات، إضافة إلى عمليات القتل اليومي والتصفيات، فضلاً عن غياب الخدمات الأساسية.

بعد هذه الأسابيع الطويلة بدأ العراقيون يستفيقون بالتدريج من الكابوس، (كابوس صدام حسين) ، وحين يلتفتون حولهم لا يجدون غير القوات الأمريكية، فيما لا يعثرون على شيء يسير إلى الأمام، وهو وضع دفعهم إلى تحويل سخطهم إلى الاحتلال الذي يتهمونه بتعمد إذلالهم؛ كي يقبلوا بأي شيء، سواء كان احتلالاً ووصاية مباشرة ، أم حكومة دمية لا تمثل سوى نفسها على طريقة (كرزاي) في كابول.

(بول بريمر) بعد (جي غارنر) لم يقدم شيئاً حتى الآن، والحال أن قرار مجلس الأمن الدولي الجديد ربما أطلق عمليات إعادة الإعمار على نحو مختلف خلال الأسابيع والشهور القادمة، وهو ما ينتظره العراقيون.

العراقيون الآن لم يعودوا في انتظار الحكومة المؤقتة أو الانتقالية، بل أصبحوا في انتظار حكم الاحتلال المباشر على الأرض تحت أي لافتة كانت، ومعه قيام ذلك الاحتلال بمسؤولياته تجاه حياة السكان العراقيين، كما تنص على ذلك اتفاقية جنيف الرابعة.

نعم، العراقيون في حاجة إلى الحد الأدنى من حضور الدولة، حتى لو كانت تحت قيادة الاحتلال، وبعد ذلك سيكون لهم موقف آخر.

هنا يتبدى الوجه الآخر لقرار مجلس الأمن، وإذا كان من الصعب القول: إن الدول المناهضة للحرب قد وافقت على القرار لتسريع تداعياته الداخلية عراقياً، فإن من الصعب -بالمقابل- نفي ذلك، ويتمثل الوجه المشار إليه في تأثير القرار على نمط تعاطي القوى الحية في الشارع العراقي مع قوات الاحتلال. فخلال الأسابيع الماضية كان ثمة قدر من حسن الظن يمكن العثور عليه في ثنايا تصريحات قادة المعارضة الخارجية والداخلية، إضافة إلى انتظار الحكومة الانتقالية وطريقة التمثيل فيها، أما الآن فقد تحوَّل الانتظار نحو عودة شيء من الحياة إلى طبيعتها، سواء لجهة الأمن، أم لجهة الخدمات الأساسية.

لمعرفة تداعيات القرار أكثر، لا بد من النظر في طبيعة القوى السياسية الفاعلة على الساحة، ذلك أن القادمين من الخارج هم الأقل تمثيلاً للناس، باستثناء حالة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بقيادة الحكيم، والحال أن المجلس لا يمثل غالبية الشيعة، إذ إن مجموعة (مقتدى الصدر وحزب الدعوة) تبدو أكثر قوة وشبابية، مع اقتراب في مستوى التمثيل بين الطرفين، وقد يكون بالإمكان القول: إن مجموعة الصدر تماثل حزب الله في الحالة اللبنانية، فيما تمثل مجموعة الحكيم حركة أمل. وإذا كان خطاب المجلس رخواً إلى حد ما في تعامله مع الولايات المتحدة، فإن الطرف الآخر لا يبدو كذلك، حيث تنهض بين كلماته وبياناته قصة المقاومة كخيار لا بد منه في نهاية المطاف لدحر الاحتلال، اقتداءً بتجربة حزب الله في الجنوب اللبناني.

يحدث ذلك على صعيد السنة أيضاً، فالإخوان الذين خرجوا بلافتة الحزب الإسلامي لم يقيموا أي علاقة مع الأمريكان، وهم كانوا خارج هيئة المعارضة السباعية التي حظي فيها (العرب السنَّة) بمقعد لرجل مستقل هو نصير الجادرجي، أما الشيعة فكان لهم مقعد باسم المجلس، وآخر لحزب الدعوة، وثالث لأحمد الجلبي (كعلماني) ، فيما للأكراد مقعدان (البرزاني والطلباني) ولحركة الوفاق (سنية علمانية) مقعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت