فهرس الكتاب
ومن جانب آخر فإنه ومع بداية هذا النظام وما أعلنه من الانفتاح والحرية وعدم تدخل الدولة في الدين وهذا ما تحقق فعلا للكنيسة، ولكن ظهرت بعض الانفراجات للمسلمين وقبل أحداث المسجد الكبير في شهر رمضان عام 1987م حسب التقويم الإثيوبي، فظهرت مؤسسات إسلامية عالمية تفتح مكاتب لها في البلاد مثل الندوة العالمية للشباب الإسلامي، ورابطة العالم الإسلامي، وإن كان تم فتح مكتبها من قبل، وهيئة الإغاثة الإسلامية ومؤسسة موفق الخيرية، والمنتدى الإسلامي ومن بعدها مكتب لجنة أفريقيا، ومؤسسة الحرمين، ومؤسسة الأمير سلطان الخيرية، وبدأت كلها تقدم بعض المساعدات في الإغاثة وإقامة المدارس والمساجد في الأقاليم الإسلامية التي تعاني من الفقر والتخلف والجهل والقحط والمجاعة، وبدأ المسلمون لأول مرة يقيمون مراكز لتحفيظ القرآن الكريم والمشاركة في المسابقات الدولية، واستقبال الدعاة من الخارج والأئمة والخطباء وبالذات في شهر رمضان المبارك.
إلا أن هذه الشمعة وهذا البصيص والإضاءة الخفيفة لم يدم طويلاً وبدأ يضمحل ويتقلص لأسباب داخلية وخارجية مع ظهور التسميات المختلفة للعقيدة الإسلامية من أنها فكرة رجعية وتشدّدية وتطرّفية وآخرها وليس آخرها إرهابية. بجانب التخلف الثقافي والإداري والمالي للمسلمين مع ما تعرضت له المناطق الإسلامية من القحط والمجاعة والفقر مرارًا وعدم وجود مركز إسلامي موحد وقوي يعبر عن آرائهم ومشاكلهم والقيام بجمع كلمتهم ويقوم بالحماية لحقوقهم ومطالبهم لم يتم استغلال هذه الفترة على الوجه المطلوب كما استغلتها الجهات المختلفة الأخرى وبالذات المسيحية وعلى رأسها الكنيسة، وقد كانت الحكومة في هذه الفترة حكومة انتقالية لفترة محددة تقوم من خلال هذه الفترة الانتقالية في إعداد الدستور العام الجديد للبلاد يتمشى مع الوضع الجديد. لذا تم تكوين الأجهزة الفنية والإدارية اللازمة لإعداد الدستور الجديد في البلاد. وأثناء إعداد هذا الدستور لاحظ المسلمون إهمال حقوقهم وواجباتهم والأهم من ذلك ما يتعلق بمحاكمهم الشرعية. وكما سبق أن أوضحنا أنه لم يكن يوجد جهاز إداري قوي يهتم بأحوالهم وأمورهم، وأن بما يُسمى المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية غير قادر وغير جاهز إداريًا وفنيًا للقيام بالنيابة عن المسلمين في البلاد، مع ضخامة حجم هذه المشاكل وتراكمها، لذا قرر المسلمون ومن خلال تجمعاتهم في المساجد والخلاوي وفي بعض المؤسسات الإسلامية الصغيرة أمثال منظمة الشباب الإسلامي وهيئات العلماء وأنصار السنة ولجنة تطوير وضع المحاكم الشرعية وغيرها الخروج بمظاهرة ضخمة للتعبير عن مطالبهم وحقوقهم المهضومة وإصلاح شأن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وبالذات فإن هذه الفترة كانت فترة إعداد الدستور العام للبلاد، وقد انتهت اللجنة المعتمدة في ذلك من دراسة ووضع ما يجب اعتماده من البنود في دستور البلاد، وتجاهلت كل ما يتعلق بالمحاكم الشرعية للمسلمين وحقوقهم.
فتم تكوين لجنة من المسلمين لإعداد هذه المظاهرة شملت العلماء والتجار والأساتذة والطلاب والنساء وموظفي الدولة من المسلمين وبالذات القضاة منهم؛ فتم تحديد اليوم والساعة للخروج بالمظاهرة وذلك في يوم 19 هدار 1987 حسب التقويم الإثيوبي، وقد تجمع أكثر من مليون مسلم اكتظت بهم الشوارع للوصول إلى قصر الرئاسة، وكان من البرنامج أن يقوم رئيس الوزراء آنذاك تامرات لايني في استقبال المتظاهرين للتباحث حول مطالبهم. إلا أن ضخامة هذه المظاهرة وكثرة المشاركين فيها دعت وألزمت تغيير البرنامج في أن يستقبل رئيس الحكومة الانتقالية آنذاك ورئيس الوزراء حاليًا السيد ملس زيناوي وبحضور الوزراء آنذاك تامرات لايني استجيبت مطالب المسلمين وأهمها ما يتعلق بالمحاكم الشرعية، وإصلاح وضع المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وتحقيق مطالب المسلمين من الحقوق والواجبات ورفع الظلم وعدم التدخل في شؤونهم الدينية وما يتعلق بحقوق المرأة من الحجاب وغيرها وفق مضمون العقيدة الإسلامية وكذا ما يتعلق بالطلاب المسلمين في المدارس المختلفة، والسماح لهم بأداء الصلاة في أوقاتها وغيرها من المطالب. وكانت النتيجة أن تم تكوين لجنة من الحكومة ومن الشخصيات المسلمة للتباحث حول هذه المطالب وتحقيقها.