1 -أن الاستنساخ ليس خلقاً ، بل هي طريقة جديدة للتكاثر غير الطريقة المعهودة في البشر فالخلية المستنسخة والبييضة كلها من خلق الله ، ولم تكن معدومة فأوجدت . بل غايته التلقيح بصورة جديدة فقط . فالعلماء يتعاملون مع عناصر مخلوقة من عند الله فالخلية من النعجة والنعجة لم يوجدها العلماء بل هي من خلق الله ، وعملية الانقسام الخلوي التي تتم بوسائل حيوية بالغة التعقيد داخل الخلية نفسها وكلها موجودة ولم يخلقها العلماء .
والخلق عند الإطلاق يدل على الإيجاد من العدم ويدل لذلك:
أ - قوله تعالى:"وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً" (32) .
ب - قوله تعالى:"أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً" (33) .
ج - قوله تعالى:"إنه يبدأ الخلق ثم يعيده" (34) .
2 -أن الله سبحانه أوجد القابلية للتكاثر في خلقه بهذه الطريقة وغاية ما فعله الإنسان هو اكتشاف هذه الخاصية وتسخيرها لخدمته ولا يعد هذا خلقاً كما هو الشأن في النبات حيث يمكن غرس غصن البرتقال في شجرة ليمون لتحمل شجرة واحدة ثمرتين أو تهجين نباتين مع بعضها لينتج ثمرة تحمل صفتين مثل ( الليم ) وكذلك الشأن في الحيوان مثل البغل الناتج من الحصان والحمار ، فكل هذا لا يعد خلقاً ولا يتعارض مع سنن الله .
3 -أن العمل لو كان فيه معنى الخلق ، فليوجد العلماء خلية أو بييضة من العدم أو من التراب كما هو شأن الخالق وهذا ما يستحيل تصوره عقلاً فضلاً عن إمكانية تحقيق ذلك لدى البشر .
وقد أعلمنا الله أن الآلهة التي يعبدها البعض لن تستطيع أن تخلق ذبابة صغيرة ولو اجتمعوا لذلك وإن سلب الذباب منهم شيئاً لن يستطيعوا رده البتة .
وهذا التحدي قائم أبداً لا يمكن للبشر أو غيرهم خرق هذا التحدي (35) ، قال
تعالى:"يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب" (36) .
هل يتنافى وقوع الاستنساخ في البشر مع العقيدة الإسلامية ؟؟
ظن البعض أن عملية الاستنساخ يستحيل وقوعها في البشر لأن ذلك يتنافى مع دلالة بعض النصوص كقوله تعالى:"يخرج من بين الصلب والترائب" (37) ، أي صلب الرجل وترائب ( صدر ) المرأة . والاستنساخ البشري قد يقع من أي خلية من الرجل مع بييضة المرأة أو خلية من المرأة نفسها مع بييضتها دون الرجل .
والجواب على هذا التوهم ما يلي:
1 -أن ولادة الطفل بالطريقة المعهودة لا يعني عدم وقوع غيرها ، فالنصوص دلت على الطريقة المعروفة ولم تنف ما سواها ، فالآية في سياق الخبر لا الحصر .
2 -أن المراد بقوله تعالى يخرج من بين الصلب والترائب ( الإنسان ) وليس كما هو مشهور أن ذلك مني الرجل من الصلب وماء المرأة من الصدر فالآية في سياق الخبر عن الإنسان ويفهم هذا من السياق على النحو التالي:
"فلينظر الإنسان مم خلق"- الخبر عن الإنسان -
"خلق من ماء دافق"- أي الإنسان -
"يخرج من بين الصلب والترائب"- أي الإنسان -
"إنه على رجعه لقادر"- أي الإنسان -
وهذا التفسير يدل عليه علم الأجنة حيث أن وضع الجنين في البطن عند خروجه يكون رأسه لأسفل ويمتد جسمه ليصل الصدر مع الظهر فهو يخرج من بين الصلب والترائب (38) .
المطلب الثاني: الحكم الشرعي في الاستنساخ الخلوي
والمراد به إحداث تلقيح بالبييضة عن طريق خلية من الجسم غير منوية كما تقدم ، وهذا النوع هو الذي تناولته وسائل الإعلام والكتاب وعليه الاعتراضات الكثيرة وقد نجحت في مجال الحيوان ويتوقع نجاحه في الإنسان ، وقد تقدم بيان موقف المؤيدين والمعارضين لقضية الاستنساخ .
أما الحكم الشرعي يمكن تلخيصه على النحو التالي:
القول الأول: التحريم وهو رأي عامة الفقهاء المعاصرين منهم محمد بن صالح العثيمين ، وعبد الكريم زيدان ، ويوسف القرضاوي ،ونصر فريد واصل ، ومحمد سيد طنطاوي ، ومحمد سعيد البوطي ، ومحمود السرطاوي ، وعجيل النشمي ، وعبد الستار أبو غدة ، وعبد الله بن منيع ، ومحمد الأشقر ، ووهبه الزحيلي (39) .
وعليه قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي وقرار اللجنة الفقهية الطبية بالأردن (40) .
القول الثاني: التوقف
وهو رأي محمد تقي الدين العثماني والشمري .
وهذا القول جاء بناء على أن الاستنساخ البشري ليس إلا نظرية وخيال ، ولم يأت إلى حيز الوجود ، ولكون المعلومات والصورة الحقيقية بهذا النوع لم تتضح بعد وقد كان بعض السلف يقول:"لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله" (41) .
القول الثالث: تأييد الاستنساخ البشري
وهذا الرأي ذهب إليه من لا يعتد بقوله شرعاً من الشيعة والصحفيين والأطباء وغيرهم فلا يعول عليه (42) .
الأدلة:
استدل القائلون بتحريم الاستنساخ البشري ( الخلوي ) بالأدلة التالية:
1 -قوله تعالى:"ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم" (43) .
وجه الدلالة:
أن التمايز بين أبناء البشر ضرورة للناس اقتضتها حكمة الباري سبحانه وتعالى والاستنساخ وشيوعه ينافي هذه الحكمة .
2 -قوله تعالى:"إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً" (44) .