فهرس الكتاب

الصفحة 6363 من 27364

وبإلقاء نظرة على الخارطة السياسية والاقتصادية لآسيا تتضح أهمية وتعقيدات المنطقة ، فهي تضم بلدا صناعيا متطورا مثل اليابان باقتصاد أكبر من اقتصاد أي بلد تاريخي في أوروبا ، وثلاثة بلدان قارية هي الهند والصين وروسيا ، وبلدين كوريا الجنوبية وسنغافورة قريبين من امتلاك الإمكانات الاقتصادية والتكنولوجية للدول الصناعية المتقدمة ، وبلدين كبيرين هما الفلبين وإندونيسيا ، وتنتشر أعداد كبيرة من السكان المسلمين في ماليزيا واندنويسيا ، وهما أكثر الشعوب الإسلامية عددا في العالم . ولا يمكن لتكتل آسيوي عدائي يضم أكثر الدول اكتظاظاً بالسكان وموارد هائلة مع بعض أكبر الشعوب الصناعية أن يتفق مع المصالح القومية الأمريكية ؛ ولهذا يتعين على الولايات المتحدة الإبقاء على وجود لها في آسيا ، ويتعين أن يكون هدفها الجيوسياسي منع تحول اندماج آسيا إلى تكتل غير صديق ( وهو المرجح حصوله في ظل وصاية إحدى القوى الرئيسة ) .

والتحدي الجيوسياسي كما يرى كيسنجر - والذي تلعب على أوتاره امريكا- هو ليس في إلحاق الهزيمة بدول الجوار بقدر ما هو في كيفية منع هذا التحول من الإتحاد ضدها ، فكابوس اليابان هو العملاق الصيني ، وتستند هواجس الصين من المخططات اليابانية والروسية إلى قرن من التجارب ، ولطالما كانت الحدود بين الصين والهند سببا للنزاعات لأكثر من نصف قرن وقبل ذلك كانت مصدرا للمنافسة بين الصين والإمبريالية والحكام البريطانيين في الهند ، وبعد عرضه العام هذا بدء المؤلف في تحليل هذه القوى من زوايا التاريخ والاستراتيجية بما يحقق القدر الأكبر من الإنجاز والسيطرة لإمبراطورية العصر الجديد الولايات المتحدة الأمريكية!!

وفي معرض توصيفه للوضع الهندي تطرق لما اسماه بالقوس الممتد من سنغافورة إلى عدن ؛ إذ وكما يرى في كتابه أن المصالح الهندية والأمريكية تتوازى ، فكلاهما لا يرغب في إسلام أصولي يسيطر على المنطقة حتى ولو كانت دوافعهما مختلفة فيما يتعلق بسياستهما المحلية ، لكن الهند تظل قلقة من الأصولية الأفغانية اكثر من قلقها من الأصولية الإيرانية .

إلى أين نذهب من هنا:

نبغي على السياسة الأمريكية في آسيا أن تحرر نفسها من الشعارات السطحية وتبدأ بالأفعال على أساس بعض المبادئ العملية التالية:

أولا: تكمن مصلحة أمريكا القومية في آسيا في منع أي قوة من فرض هيمنتها على القارة !!

ثانيا: أفضل طريقة لدفاع الولايات المتحدة ضد أي تهديد معاد هو ترسيخ وجود عسكري متفوق .

ثالثا: ينبغي إجراء حوار مكثف مع الهند فالمصلحة الأمريكية الجيوسياسية أساسا بالاضافة إلى قلق الهند من تأثير الأصولية الإسلامية على شعبها ستساعد على البدء في حوار استراتيجي بناء .

رابعا: يمكن صياغة العلاقات الصينية الامريكية وفقا للسياسة الامريكية ، ويجب الاعتراف بأن الصين جزء لايستغنى عنه من سياسة آسيوية بناءة .

الفصل الخامس: الشرق الأوسط وأفريقيا .

عوالم آخذة في التحول:

في صراعات الشرق الأوسط تنبع الدوافع العاطفية من قوى مشابهة لتلك التي كانت في أوروبا في القرن السابع عشر فقد مزقت الانقسامات الدينية والأيدلوجية المنطقة أقساما شتى ، وأبرز هذه الانقسامات الصراع العربي الإسرائيلي ....لكن التصدعات في العالم الإسلامي لاتقل حدة إن لم نقل وضوحا .

يعاني العالم الإسلامي من انقسامات خاصة ، بعضها يمثل استمراراً لصراع تاريخي بين حضارتي النيل وبلاد مابين النهرين .. بين أنظمة علمانية متطرفة مثل النظام العراقي وأنظمة علمانية معتدلة مثل النظام في مصر ، بين الأصوليين وأبرزهم الحكومة الإيرانية والأنظمة العلمانية مثل النظام السوري ، بين الحكومات في المملكة العربية السعودية ودول الخليج وجيرانها الأكثر حداثة ، بين العرب والفرس ، وبين مذهبي الإسلام السني والشيعي .

الصراع العربي الإسرائيلي:

في العام 2000م صار العالم معتاداً على عبارة السلم في الشرق الأوسط لدرجة أنه بات من شبه المنسي التاريخ القاسي والمرير الذي سبق هذه العملية وتحتاج المفاوضات العربية الإسرائيلية إلى التوفيق بين القضايا الإقليمية والاستراتيجية أي مادة الدبلوماسية ومسائل الأيديولوجيا والدين والشرعية ، أي مادة اللاهوت ولعل العقبة الأساسية أمام بلوغ دبلوماسية السلام ذروتها هي المفاهيم المتباينة لفرقاء المعنيين تجاه عملية السلام فالإسرائيليون والأمريكيون يعرفون السلام بأنه تسوية تنهي الدعاوى وتحدد وضعية شرعية دائمة ، بعبارة أخرى انهم يطبقون مفاهيم الديمقراطية المتحررة للقرن العشرين !! لكن العرب وخصوصا الفلسطينين يعتبرون إسرائيل دولة دخيلة في الأراضي العربية ( المقدسة ) ، قد يقبلون تسوية حول الأرض لعدم وجود بديل أفضل لكنهم سيتعاملون مع القضية كما أذعنت فرنسا لضم ألمانيا للالزاس واللورين سنة 1980م كضرورة ممزوجة بالتصميم على الانتظار ريثما تحين فرصة لاستعادة ما فقد !!

في المقابل فقد بدأت الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية تتشابك في اللحظة التي وصلت فيها دبلوماسية السلام في الشرق الأوسط إلى مرحلتها الأخيرة !! .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت