النقطة الأولي: ينظر التيار النسائي الإسلامي إلى أن فلسفة قيام الحجاب ترتكز بالأساس على انتفاء صفة الجنس كمعيار للتميز ، أو اعتبار المرأة أداة أو دافعا جنسيا داخل محيطها، والحجاب ضرورة لتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة الإنسان في المجتمع وفي مجالات العمل المختلفة؛ حيث ينظر إلى الحجاب على أنه وسيلة يمكن أن تتخذها المرأة لإطلاق العنان لتحقيق ذاتها من خلال عملها الذي تختاره هي حسب مؤهلاتها، وكذلك تثبت واجب مشاركتها في بناء وإصلاح المجتمع ويكون الحجاب بذلك رمزاً للتميز الإيجابي ومظهر من مظاهر التأكيد على الجنس البشري وما تقنضيه الفطرة الإنسانية ولهذا رد على من يعقد بأن المساواة بين المرأة والرجل في كل شيء يعني مساوتها به في اللباس وهذا ما وقع به انصار التبرج والسفور .
وتتكرر نفس الرؤيا بقوالب مختلفة في الفكر النسوي العلماني؛ حيث يؤكد الراديكاليون من النسويين على ضرورة تقريب الشكل الخارجي للمرأة من شكل الرجل؛ حيث تقصير الشعر وارتداء"البنطال"وانتفاء المكياج، بالإضافة إلى مناهضة أغلب تيارات النسوية استخدام المرأة في الدعارة والدعايات وبقية وسائل الإعلام، منطلقة من نفس الفلسفة؛ أي لإقصاء جنس المرأة أو اعتبارها أداة متعة؛ لتتساوى في ذلك بالرجل الإنسان.
ولكن المفارقة تكمن في إنكار النسوية الراديكالية.. هذا في قضية الحجاب مع تماثل الموقف والعلة؛ حيث إن الرجل هو المعني بالنظرة الجنسية للمرأة في الحالتين، والرجل الذي يجلس أمام فاتنة أبرزت جمالها.. من الطبيعي أن ينصرف ذهنه إلى الغريزة والأنوثة، في الوقت الذي تستطيع المرأة بستر تلك المفاتن أن تفرض على الرجل أن ينظر إليها كإنسان مكافئ لها، لا كمغرية تتبارى في منافسة الأخريات، وتُبرز كل يوم مع كل موضة قدرا ونوعا من المفاتن.
ومع أن الحركات النسوية الراديكالية تنكر وجود أي فروق حقيقية بين الجنسين فكيف تناهض تغطية الفروقات الظاهرية التي تذكر دوما بتلك الفروق وتكرسها، وتوحي بأن المرأة شيء والرجل شيء آخر؟ حيث إن المرأة هي نفسها بحاجة إلى فرض نفسها كإنسان على الآخر وعلى المجتمع معا لتنطلق وتحقق ما تريد.
الحجاب حماية المرأة
والنقطة الثانية: التي يراها التيار النسائي الإسلامي أن الحجاب تم فرضه على المرأة من أجل حمايتها من الإيذاء والاعتداء، بعد أن تمكنت هي من فرض شخصيتها كإنسانة؛ وذلك لترسيخ هذه الحماية في إطار ثقافي ثم اجتماعي؛ وهو ما يؤدي إلى تفادي المجتمع من الاستغراق في حماية المرأة بقوة القانون والبوليس ومحاكم الدولة وسجونها، وهذا ظاهر وجلي للمتابع لما يجري في المجتمعات الغربية التي تقوم بحل قضايا، مثل: التحرش الجنسي، والاغتصاب ، وهما ظاهرتان ناتجتان عن الانحلال الأخلاقي الذي يسود المجتمع، ويعد عدم حجاب المرأة من العوامل الأساسية التي أدت إلى تفاقم معاناة المرأة من التحرش الجنسي والاغتصاب حتى وصلت الإحصائيات إلى مستوى مخيف.
وليس معنى هذا أنه بقيام الحجاب سوف يتم القضاء على التحرش الجنسي والاغتصاب، ولكن لا يمكننا إغفال أثر هذا العامل الرئيسي عند تحليلنا للإحصائيات التي لا تبشر بخير لا للمرأة ولا للمجتمع الإنساني، ولا يمكن لباحث علمي أن ينكر العلاقة بين حجاب المرأة وتقليل عوامل الإثارة، وانخفاض نسبة هذه الجرائم .
الحجاب حرية شخصية فلماذا تحارب
والنقطة الثالثة: هي أن ما تم تطبيقه حتى الآن في أكثر من دولة وفي إطار النظم السياسية العلمانية التي تحتضن التيار النسوي الراديكالي من منع للحجاب وحرمان للمرأة المسلمة بسبب حجابها من حقوقها الأساسية في التعليم والمشاركة المدنية والسياسية في مؤسسات الدولة وحتى العلاج أحيانا، ولا فرق بين هذه النظم من حيث إنها تحكم شعوبا إسلامية، مثل تركيا وتونس أو شعوبا غير مسلمة كفرنسا التي منعت الحجاب حاليا.
وهنا يظهر جليا غلبة التيار النسوي الراديكالي بكل مسمياته على حساب بقية التيارات النسوية، وإخفاقه في تحقيق مناخ تتمتع فيه المرأة ولو بحريتها الشخصية، وحقها في الاختيار حين يكون حصولها على مساندة النظم السياسية أمرا واقعا، بل بدل ذلك أطلقت لنفسها عنان التمثيل نيابة عن كل النساء في قضايا تمس المرأة، هذا إن تعاملنا مع قضية الحجاب منطلقين من مبدأ الحرية الشخصية التي تناضل النسوية من أجلها ولكن بمعيار مزدوج؛ إذ منع الحجاب وحرمان المرأة المسلمة بسبب حجابها من دخول المدارس والجامعات والبرلمان وبقية مؤسسات الدولة لا تعد انتهاكا صارخا لحقوقها كإنسان!! حيث أصبحت العلمانية والنسوية الراديكالية في جبهة واحدة لخلق نوع جديد من التمييز القانوني ضد أغلب شرائح النساء في مجتمعاتهم فيما يخص قضية الحجاب، وأصبحت النسوية الراديكالية التي كانت بالأمس تنتقد وصاية الدين والرجل على المرأة تفرض وصايتها ووصاية الدولة بالقانون على المرأة، وقس على ذلك وصاية التيار النسوي الراديكالي من خلال مؤسسات الأمم المتحدة والمواثيق والاتفاقيات الدولية على نساء العالم، بعيدا عن أي اعتبار لتعدد الثقافات والأديان بين الأمم والشعوب.