لقد طارد رجال الدين كل أصحاب الفكر والفلسفة والاصلاح فتم حرق كنائسهم ومكتباتهم فلم يسلم منهم أبيلارد وروجربيكون وبرونو وجاليلو وغيرهم وهكذا وقفت الكنيسة موقف العداء للفكر .
وبسبب هذا الظلم والسيطرة والقسوة كان لابد أن ينفجر بركان يدمر كل من كان يجلس على فوهته ولم يكن للانجيل دور في هذا الانفجار بل أن السبب هو رجال الدين وتصرفاتهم فبدأ الصراع وبدأت ثورة ترفض سيطرة رجال الدين على الحياة العامة فقرر البرلمان الانكليزي عام 1301 أن ليس للبابا حق التدخل في الشؤون الداخلية ثم تبعه مجلس طبقات الأمة في فرنسا عام 1302ثم بدأت الحركة تتسع للوقوف بوجه فساد رجال الدين فتحرك لوثر وجون هس وكلفني وغيرهم وهكذا بدأت حركة الانتفاضة ضد طغيان رجال الدين حتى جاء القرن الثامن عشر لتكون ثورة عامة ضد المسيحية وعقائدها والسبب في ذلك هم الأحبار والرهبان فكانت الثورة الفرنسية 1789 لتكلل هذه الحركة نصر المظلومين على رجال الدين ومنذ ذلك الوقت بدأت دعوة فصل الدين عن الدولة , فتم ابعاد رجال الدين عن السياسة وخضعت الكنيسة لقانون الدولة وبذلك انتهى تدخلهم السافر في السياسة وشؤون الدولة .
3-الاسلام:
جاء صلى الله عليه وسلم برسالة متممة لرسالات الأنبياء السابقين من حيث الدعوة الى توحيد الخالق والايمان بالرسل والحث على مكارم الأخلاق فشمل الاسلام نظاما متكاملا للحياة والكون من حيث العقيدة والعبادة والمعاملة والأخلاق .
فدعا الى الايمان باله واحد كامل هو خالق الخلق والكون ومافيه حيث قال تعالى في سورة الأنعام آية 2- خالق كل شئ - .
والانسان لايستطيع الاهتداء الى أسرار الكون والانسان الا بالعلم والتفكر فكانت للعلم مكانة عظيمة في الاسلام بل اعتبر فرضا من فروض الدين وعبادة يثاب عليها حيث قا صلى الله عليه وسلم تعلموا العلم فان تعلمه لله خشية وطلبه عبادة .
كما رفض الاسلام كل شئ يمت للخرافة والوهم بل دعا لاستخدام الوسائل التي توصل الانسان للحقيقة من خلال السمع والبصر والفؤاد حيث قال تعالى في سورة الاسراء - ولاتقف ماليس لك به علم , ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤولا -.
كما قرر الإسلام أنه لاتوجد واسطة بين الانسان والله ولايجوز اكراه أحد على دين معين ولايملك أحد ان يغفر الذنوب ولايملك أحد اكراه الضمير والعقول على الاعتقاد بشئ بالقوة وبذلك نفى الاسلام كل اشكال الكهانة والرهبنة وألغى طبقة رجال الدين بل في الاسلام فقهاء وعلماء يبينون للناس حكم الله فلا يحلون ولا يحرمون .
وجعل الاسلام من العبادة رابط بين الانسان والله عن طريق المراقبة والخشية والحاجة الى عون الله تعالى في التغلب على كل القيم الباطلة والفاسدة والتحرر من العبودية للبشر مهما بلغت مكانتهم .
كما دعا الاسلام لتهذيب النفس والجوارح وتقوية روابط التعاون بين بني البشر لأن الفرد في نظر الاسلام هو جزء من مجموع وبالتالي عليه مراعاة ذلك حتى لايطغى على الآخرين تحت أي حجة أو مبرر , وبذلك تنوعت العبادات في الاسلام من صلاة وصيام وصوم وزكاة وحج ودعاء وغيرها من العبادات العملية والقولية وكل هذه العبادات تلعب دورا في تهذيب النفس حيث يقول الله تعالى في سورة العنكبوت - ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر - ويقول عن الزكاة في سورة التوبة - تطهرهم وتزكيهم - ويقول عن الحج في سورة الحج - ليشهدوا منافع لهم - ويقو صلى الله عليه وسلم عن الصوم - رب صائم ليس له من صيامه الا الجوع والعطش -
ثم جاء الاسلام بالآداب التي تقوي الشخصية وتعلم الفرد على تحمل المشاق وتنمي روح التعاون بين الناس وتقضي على روح الانعزالية والفردية وتقديس الذات على حساب المجموع .
ثم جاءت الشريعة الاسلامية بالقوانين لمختلف نواحي الحياة سواء على المستوى الشخصي أو المستوى العام ابتداء من البيت الى السوق والعمل الى الحقوق والواجبات في داخل الدولة وخارجها , وكان الهدف من هذه القوانين توفير السعادة والسلام والرحمة والكرامة على اساس من اليسر وعدم تحميل الانسان فوق طاقته وقدرته فكانت هذه القوانين تدور حول الحقوق والواجبات ابتداء من الحرية في اختيار العقيدة الى حق التعلم والعمل وباختصار كانت مقاصد الشريعة تجتمع في الضروريات الخمس وهي الدين والعقل والنفس والمال والعرض .
وتميزت هذه القوانين بالعدل بحيث يعطى كل ذي حق حقه دون تفريق بين مكونات المجتمع فلا يجحف انسان بحق انسان مهما كانت مكانته سواء كان حاكما أو محكوما , ولقد شدد الاسلام على الظلم تشديدا عظيما حيث يقول الله تعالى في سورة الزخرف - فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم - .
ولم تقتصر العدالة على المسلمين بل شملت غير المسلمين فلقد قا صلى الله عليه وسلم ألا من ظلم معاهدا أو كلفه فوق طاقته وانتقصه أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة , فكانت عدالة مطلقة .