فهرس الكتاب

الصفحة 6632 من 27364

كما أن هذه القوانين تفتقد للكمال والصلوحية ولاتستطيع الموازنة والتوافق بين النظرة الى الكون والانسان والحياة مما يجعل فيها ثغرات دائمة وتشوهات مزمنة .

كما أن هذه القوانين تفتقر الى العدالة فهي قد تكون عادلة مع رعايا الدولة ولكنها ظالمة ومجحفة بحق الآخرين خارج الدولة , وبما أنها من صناعة البشر فيتم تفسير هذه القوانين بما يخدم مصالح هذه الدول فيتم التلاعب بها كلما أقتضت مصلحتهم لذلك.

وبمراجعة متأنية ومنصفة للمائة عام الأخيرة نقف على كوارث وجرائم ارتكبت بحق البشرية وباسم هذه القوانين .

ثانيا - التشريع الاسلامي:

-قلنا في الحلقة الأولى أن الاسلام دين ودولة فهو عقيدة تحرر العقل من الجهل والخرافة والانغلاق, وأخلاق تهذب النفس وتدعوها نحو الفضائل, وعبادة روحية تربط الانسان بخالقه ليبقى دائما في حالة مراقبة لتصرفاته وسلوكه, وتشريع ينظم شؤون الحياة وعلاقة الانسان مع خالقه وعلاقته مع نفسه وعلاقته مع الآخرين على مستوى المجتمع والدولة .

-ولتحقيق هذه المنظومة المتوازنة جاء الاسلام بتشريع شامل ومتوازن فلقد شمل جميع القواعد والأسس والمبادئ اللازمة لاقامة حياة اجتماعية ضمن الدولة .

ولاننكر أنه في بعض الأحيان ترتكب أخطاء في التطبيق لكن هذه الأخطاء لاتستوجب استبعاد الشريعة ونظامها فطالما أن هناك مبدأ فهو المرجع ولاقداسة لاجتهادات الأشخاص .

-وبالعودة الى النظام الاسلامي فاننا نجده تضمن كل متطلبات القوانين والأحكام على المستوى الخاص والعام فكان نظاما بمبادئ عامة وردت في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وتركت مساحة واسعة للاجتهاد بالتفصيلات حسب مقتضيات الزمان والمكان والبيئة والظروف والمستجدات .

-ان التشريع الاسلامي نظاما ربانيا ارتضاه خالق الكون للبشرية فهو خالقها ويعلم ماينفعها ويضرها فوضع لها نظاما صالحا لها في كل عصر ومصر فهل يعقل أن نستبدل النظام الرباني بنظام بشري مازال الى اليوم يعاني من ثغرات قاتلة .

-كما أن النظام الاسلامي خلا مما يسمى طبقة رجال الدين الذين عانت منهم البشرية في بعض الديانات, فلم يعرف الاسلام لا في عهد النبوة ولا في عهد الراشدين ولا في العهود الأخرى طبقة رجال الدين , بل هناك فقهاء وعلماء دورهم توضيح وتبيان أحكام الشريعة فلا يحرمون حلالا ولا يحلون حراما ولم يعرف هؤلاء الفقهاء بأي ميزة تميزهم عن باقي أفراد المجتمع الا بعلمهم وهذا ماجعل العامة يحترمونهم ويجلونهم ويقدرونهم بل حتى أن أركان الدولة كانت تهابهم لأنهم يدركون دورهم في الوقوف بوجه الأخطاء والانحرافات وقد حفل تاريخ الاسلام بمواقف العلماء ضد بعض الولاة الذين حادوا أحيانا عن الطريق .

ان هؤلاء العلماء كانوا مثل الأطباء في تشخيصهم للمرض ثم وصف العلاج المناسب وشأنهم شأن أصحاب الاختصاصات الأخرى .

-ان التاريخ الاسلامي حافل بآلاف المواقف التي تؤكد بعد العلماء عن السيطرة على أركان الدولة وهيمنتهم على الحياة العامة بل نجد مواقفهم صارمة بحق الولاة الذين انحرفوا ومن هذه المواقف:

-الفقيه منذر بن سعيد في الأندلس أيام عبد الرحمن الناصر الذي أنشأ مدينة الزهراء وأنفق عليها الأموال الطائلة حتى أنه أتخذ للصرح الممرد قبة من ذهب وفضة فما كان من الفقيه منذر الا أن وقف وبحضور الناصر مؤنبا له قائلا ماكنت أظن أن الشيطان أخزاه الله يبلغ بك هذا المبلغ , ولا أن تمكنه من قيادك هذا التمكين , مع ما آتاك الله وفضلك على العالمين , حتى أنزلك منازل الكافرين , فاقشعر الناصر لهذا القول وقال له انظر ماتقول فرد عليه منذر ألم تقرأ قول الله تعالى: ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون , فوجم الناصر ودموعه تجري ثم قام شاكرا للفقيه منذر وأمر بنقض القبة , انه موقف لرد انحراف الناصر في استخدام المال العام وبذلك كان الفقيه وكيلا عن أموال الشعب وليس رجل دين يبتز أموال الشعب .

-لما ثار بعض سكان لبنان على عاملها علي بن عبد الله بن عباس فقام بتفريقهم وأجلاهم عن ديارهم ولما علم امام الشام وعالمها الامام الأوزاعي بذلك كتب الى والي لبنان يذكره بالنصوص التي تدعوا للعدل والانصاف بحق الآخرين فما كان من الوالي الا أن أعادهم الى قراهم وبيوتهم , فهل كان الفقهاء رجال دين يساعدون على الظلم والاضطهاد .

ان بطون الكتب تحدثنا عن مواقف ستبقى درة في جبين التاريخ في مواقف الفقهاء والعلماء .

فلمصلحة من يتم الترويج لهذه الدعوة في بيئة تختلف عن البيئة التي نشأت فيها , ان حال هؤلاء كمن يمارس الاضطهاد تجاه أفكاره نفسها لأنهم يريدون استنبات شجرة غريبة في بيئة غريبة غير بيئتها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت