والواقع أن في كل من الآيات المكية والمدنية ثناءً على أهل الكتاب وتبشيرا لهم بحسن العاقبة، وتكفيرًا لهم كذلك ولعنًا، فليس الأمر إذن كما زعم أصحابنا كذبا ومَيْنا أن الساسة الميكيافيلية هى التى اقتضت أن يمدح محمد أهل الكتاب في مكة، ثم ينقلب عليهم فيذمّهم في المدينة! لكن يبقى هناك سؤال مهم، ألا وهو لماذا مدحهم القرآن أحيانا، وذمَّهم أحيانا أخرى؟ وجوابنا أن لكل فرد أو جماعة من البشر عدة جوانب بحيث يمكن أن نمدحهما باعتبار، ونعيبهما باعتبار آخر، وأهل الكتاب لبسوا بدعا بين البشر حتى يمكن استثناؤهم من ذلك. والقرآن حين يمدح أحدا من أهل الكتاب فإنه لا يمدحه بوصفه يهوديا أو نصرانيا بل بوصفه مسلما قد آمن بمحمد وانصاع للحق الذى جاء به، ولم يدفعه التعصب الأعمى لما ألفى آباءه عليه إلى رفض الدعوة النبيلة العظيمة التى أتى بها الرسول من لدن رب العالمين. وسوف أجتزئ ببعض الآيات من كل من الوحى المكى والمدنى للتدليل على ما أقول حتى يسقط الهراء الباطل السفيه الذى يصدّعنا به الباحثون ورجال الدين الغربيون ومن جرى في ركابهم وتعلق بأذيالهم من بيننا.
لقد ادعى أصحابنا الثلاثة، كما رأينا، أن القرآن الذى نزل بمكة لا يذكر أهل الكتاب إلا بخير، فما رأيهم في النصوص المكية التالية التى تحمل عليهم حملة شديدة وتدمغهم بأحكام عنيفة؟ قال تعالى:"ومِنَ الذين هادوا حرَّمْنا كل ذى ظُفُر، ومن البقر والغنم حرَّمْنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورُهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم. ذلك جزيناهم ببغيهم، وإنا لصادقون" (الأنعام/ 146) . وفى سورة"الأعراف"التالية لسورتنا هذه يحكى القرآن الكريم في آيات بعد آياتٍ قصة موسى مع بنى إسرائيل، فلم يترك مثلبة إلا ودمدم بها على رؤوسهم ولعنهم وتوعدهم بمصيرٍ فظيعٍ جرّاءَ عنادهم وكفرهم بنبيهم وكتابهم وعصيانهم لربهم وصلابة رقابهم وعقولهم وقلوبهم مما يجده القارئ بدءا من الآية 138 حتى الآية 178، ومثله موجود في سورة"طه". فما القول في هذا أيضا؟ كما نجد في أوائل سورة"الإسراء"نبوءة خاصة بالإفسادين اللذين سيرتكبهما بنو إسرائيل والتأديب الذى قدّره الله عليهم جزاء لهم على الإفساد الأول منهما... إلخ. فما القول في هذا أيضا؟ كذلك نسمع في ختام صدر سورة"مريم"حملة على ما انحرف إليه بعض أتباع عيسى من عبادتهم له عليه السلام وُصِفوا أثناءها بالكفر في عبارة صريحة لا تحتمل لبسا ولا تأويلا:"ذلك عيسى بن مريم قولَ الحق الذى فيه يمترون* ما كان لله أن يتخذ مِنْ وَلَد. سبحانه! إذا قضى أمرا فإنما يقول له: كن، فيكون* وإن الله ربى وربكم، فاعبدوه. هذا صراطٌ مستقيم* فاختلف الأحزاب من بينهم، فويلٌ للذين كفروا من مشهد يوم عظيم"، ومثله موجود في سورة"الزخرف". فما القول في هذا أيضا؟ بل إن المسلمين الذين هاجروا من مكة إلى الحبشة وجدوا أنفسهم، بسبب من هذه الآيات، في حَرَجٍ أمام النجاشى وحاشيته وبطارقته عندما سُئِلوا، بتحريض من رسولَىْ قريش اللذين لحقا بهم ليؤلبا عليهم الملك ورجاله، عن حقيقة اعتقادهم في المسيح، لكنهم رضى الله عنهم لم يداهنوا في دينهم وقرأوا الآيات متوكلين على الله، فلم يخذلهم بل حنَّن عليهم قلب الملك الطيب الذى استطاع بنبل بصيرته أن يرى عظمة دين محمد والذى أرجع الرسولين القرشيين بخُفَّىْ حُنَيْن!
هذا في جانب الذم، أما في جانب المدح فإلى القارئ هذه الشواهد التى يمكنه أن يقيس عليها ما لم نذكره. قال سبحانه:"والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أُنْزِل إليك" (الرعد/ 36) . فما القول في هذا؟ وقال أيضا عز شأنه:"وقرآنا فرَقْناه لتقرأه على الناس على مُكْث، ونَزَّلناه تنزيلا* قل: آمِنوا به أو لا تؤمنوا. إن الذين أُوتُوا العلم من قبله إذا يُتْلَى عليهم يخِرّون للأذقان سُجَّدا ويقولون: سبحان ربنا! إنْ كان وعد ربنا لَمفعولا* ويخِرّون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا" (الإسراء/ 106- 109) . فما القول في هذا أيضا؟ وقال جل جلاله:"ولقد وصَّلْنا لهم القولَ لعلهم يتذكرون* الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون* وإذا يُتْلَى عليهم قالوا: آمنّابه. إنه الحق من ربنا. إنا كنا من قبله مسلمين" (القَصَص/ 51- 53) . فما القول في هذا أيضا؟