فهرس الكتاب

الصفحة 6653 من 27364

والعجيب الغريب أن د.النابلسى كان من أعنف المهاجمين للحضارة الغربية التى كان يتهمها بأنها حضارة مادية بحتة، على عكس الإسلام الذى يجمع بين المادى والروحى معا، ومن المنتقدين بقوة للنظام السياسى الغربى متهما إياه بالنفاق واللاإنسانية وازدواج المعايير حتى إنه ليفضل الديكتاتورية التى تنتهجها دول الكتلة الشرقية على الديمقراطية الرأسمالية لصراحتها في رفض الديموقراطية وعدم التشدق الكاذب بها، كما كان من أشد المتحمسين للإسلام حضارةً وديمقراطيةً وعدالةً اجتماعية، مؤكدا أن الغرب قد أفاد من هذا الدين أعظم إفادةـ، وأن التنمية القائمة على أساس من مبادئ الإسلام خير من نظيرتها الغربية التى تفتقر إلى العنصر الإنسانى، وهو ما تجلى فيما حققته السعودية في هذا المجال حيث استطاعت أن تختزل مراحل التنمية المتعددة التى كان على الغرب أن يمر بها كلها، وأن سياسة أمريكا الخارجية تقوم على"الظلم والقهر والاستبداد والحمق"، وأن إسرائيل هى جزء لا يتجزأ من نظامها السياسى، بل ولاية من الولايات الأمريكية، وليست مجرد دولة حليفة لها، وأن الشارع العربى يكره أمريكا إدارةً ودولةً وسياسةً ومنهاجًا، وأن شعوب العرب إذا كانت صابرة الآن عليها وعلى ما تفعله بها صبر أيوب فإن ذلك لا يمكن أن يظل قائما إلى الأبد، إذ لا بد يوما أن تثور على الذين أذاقوها كؤوس المذلة والهوان وسلطوا عليها أشقياء الأرض والعابثين فيها، وأنه لا مصداقية للعم سام في إقامة الحق والعدل والسلام في منطقتنا! وهو يدعو بكل قوة إلى عدم مهادنة إسرائيل والاستمرار في حمل البندقية لإرهاقها واستنزافها، معطيا القضية الفلسطينية بعدها الدينى الذى يرى أنه لا يحتمل أى جدال أو تهوين، ومناديا بخروج اليهود من أرض فلسطين التى قدستها السماء إلى أرض الشتات التى جاؤوا منها، وموصيا أمته بالصبر والنفس الطويل، ومحذرا إياها من أن تصير إلى ما صار إليه الهنود الحمر على يد أمريكا، ومعضدا رأى من ينادون بضرورة قيام الوحدة بين الشعوب العربية على أساس إسلامى مستمد من الكتاب والسنة! بل إنه ليصف اللغة العربية بـ"المقدسة"، كما يهاجم عادل إمام هجوما أخلاقيا عنيفا متهما إياه بأنه، بأفلامه التافهة، مسؤول عن إفساد الأجيال الحالية، ومؤكدا أن المال الذى يكسبه من هذه الأفلام هو مال حرام! ويستطيع القارئ أن يرى مصداق ما نقوله في كتبه:"الزمن المالح"و"محاولة للخروج من اللون الأبيض"و"قطار التسوية والبحث عن المحطة الأخيرة"مثلا التى صدرت له عام 1986م عن"المؤسسة العربية للدراسات والنشر"فى بيروت. فما عدا مما بدا؟ هذه مسألة تحتاج إلى من يدرسها ليعرف الأسباب التى أدت إلى هذا التحول المريب في حياة الرجل الذى سمعناه يصرخ في حلقة برنامج"الاتجاه المعاكس"المذكورة متهمًا القرآن بالتناقض، زاعما أن التشريعات التى يتضمنها إنما هى أمور خاصة بمحمد وزوجاته ذات طبيعة آنية، ومن ثم لا تصلح لأن تكون تشريعات دائمة لأمة الإسلام!

وعودًا إلى ماكنا فيه نقول إنه حتى آيات سورة"المائدة"الخاصة بالنصارى والتى كثيرا ما يساء تفسيرها عمدا وخبثا أحيانًا، وعن سذاجة من جانب بعض المسلمين الذين لا يفهمون أحيانًا أخرى، هذه الآيات لا تمدح ذلك الفريق من أهل الكتاب بوصفه من أتباع النصرانية التى تسفِّهها كثير من الآيات السابقة عليها بدءا من الآية الرابعة عشرة، بل تمدحه لمسارعته للإيمان بالرسول محمد والآيات التى أنْزِلت عليه، ولخشوع قلبه وفيضان دمعه من شدة الوجد والتأثر بكلمات القرآن المجيد! والآيات موجودة لمن يريد أن يقرأها مفتوح العينين والقلب، وأرقامها هى 82- 86. وتبقى النصوص المدنية التى تحمل على أهل الكتاب، وهذه لا تمثل أية مشكلة، ومن ثم فلست أجد أى داع لإيراد شىء منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت