فهرس الكتاب

الصفحة 6710 من 27364

وقال تعالى: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ) ( النساء: 65 ) قال ابن كثير رحمه الله: ( يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسو صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور ، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً ، ولهذا قال:( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما ) أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به ، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليماً كلياً من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة كما ورد في الحديث: [ والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ] ( تفسير ابن كثير 1/520 ) .

ويقول الجصاص رحمه الله: ( وفي هذه الآية دلالة على أن من رد شيئاً من أوامر الله تعالى أو أوامر رسول صلى الله عليه وسلم فهو خارج من الإسلام ، سواء رده من جهة الشك فيه أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم ، وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع من أداء الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم ، لأن الله تعالى حكم بأن من لم يسلم للنبي r قضاءه وحكمه فليس من أهل الإيمان ) ( أحكام القرآن للجصاص 3/181 ) .

فأين هذا من ترك التحاكم إلى شريعته ابتداء ، واتهامها بالبداوة والرجعية ؟ أو الجمود وعدم الصلاحية للتطبيق ؟

لقد نهى الصحابة في القرآن عن أن يرفعوا أصواتهم فوق صوت صلى الله عليه وسلم ، وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض ، وجعل من هذا الفعل - الذي قد يبدو يسيراً - سبباً لحبوط الأعمال ، وسبيلاً قاصداً إلى الردة عن الإسلام ، فقال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) ( الحجرات: 2 ) .

يقول ابن القيم رحمه الله: ( فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سبباً لحبوط أعمالهم ، فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه ؟ أليس هذا اولى أن يكون محبطاً لأعمالهم ؟ ) ( أعلام الموقعين لابن القيم1/51 ) .

قلت: فكيف إذا كان الأمر إهداراً لشريعته ، واجتراء على هديه ، ورداً لسنته ، ونبذاً لما جاء به من شرائع الإسلام بالكلية ؟

4-العلمانية نقض لعقد الإيمان المجمل:

فقد تمهد في أصول أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص ، وأن أصله تصديق الخبر والانقياد للأمر ، وأن من لم يحصل في قلبه التصديق والانقياد فهو كافر بالله العظيم .

فلا يثبت عقد الإيمان بمجرد التصديق الخبري ، بل لا بد من التكلم بالإيمان على وجه الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد، ولهذا لما جاء نفر من اليهود إلى صلى الله عليه وسلم وقالوا: ( نشهد إنك لرسول ) لم يكونوا مسلمين بذلك لأنهم قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما في أنفسهم فحسب ، أي نعلم ونجزم أنك رسول الله ، قال:"فلم لا تتبعوني"، قالوا: نخاف يهود !

يقول ابن القيم رحمه الله: ( ونحن نقول: الإيمان هو التصديق ، ولكن ليس التصديق مجرد اعتقاد صدق المخبر دون الانقياد له ، ولو كان مجرد اعتقاد التصديق إيماناً لكان إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود الذين عرفوا أن محمداً رسول الله صلى الله وسلم كما يعرفون أبناءهم مؤمنين مصدقين ، فالتصديق إنما يتم بأمرين: أحدهما: اعتقاد الصدق ، والثاني: محبة القلب وانقياده ) ( الصلاة لابن القيم 19 - 20 ) .

ويقول القسطلاني في تعريف الإيمان: ( وهو لغة التصديق ، وهو كما قال التفتازاني: إذعان لحكم المخبر وقبوله ، فليس حقيقة التصديق أن يقع في القلب نسبة التصديق إلى الخبر أو المخبر من غير إذعان وقبول ، بل هو إذعان وقبول لذلك بجيث يقع عليه اسم التسليم ) ( إرشاد الساري 1/82 ) .

ولا يخفى أن العلمانية بردّها لشريعة الله ، وامتناعها عن قبول ما أنزل الله قد أسقطت ركن الانقياد من حقيقة الإيمان ، فتكون نقضاً للإيمان المجمل الذي لا تثبت صفة الإسلام إلا باستيفائه ، ولا يبقى معها من الإيمان - إن بقيت على ادعائه - إلا التصديق الخبري المحض كالذي كان مع أحبار اليهود الذين شهدوا لرسول ا صلى الله عليه وسلم بالرسالة لما أجابهم عن أسئلتهم بما يعلمون من كتبهم فقال لهم صلى الله عليه وسلم [ فما يمنعكم من اتباعي ؟] قالوا: نخاف قومنا يهود !

أو الذي كان مع هرقل الذي أعلن تعظيمه للنبي r ولكن امتنع عن اتباعه خشية على ملكه .

أو الذي كان مع أبي طالب الذي أعلن بأن دين محمد من خير أديان البرية ، والذي ظل عمره كله يحوط رسول ا صلى الله عليه وسلم ويمنعه ، ولكن امتنع عن اتباعه خشية الملامة ومسبة العرب له بأن استه تعلو رأسه !!

وإننا لو أثبتنا إيماناً أو صححنا توحيداً لمن كان حظه من الشرائع السماوية مجرد اعتقاد صدقها وأنها منزلة من عند الله لحكمنا بإيمان أغلب من في الأرض !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت