ذلك أن آيات الله مبصرة فلا يملك القلب البشري تجاهها إلا الإذعان والتسليم لا سيما إذا ما عرضت خالية من التشويه والتحريف ، ولكن يختلف الناس بعد ذلك في الموقف العملي: أهو الإخبات والطاعة ؟ أم الإباء والاستكبار ؟!
فالإيمان - كما سبق - ليس مجرد التصديق ، ولكنه الإقرار والطمأنينة وذلك لأن التصديق إنما يعرض للخبر فقط ، فأما الأمر فليس فيه تصديق من حيث هو أمر ، وكلام الله خبر وأمر، فالخبر يستوجب تصديق المخبر والأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام ، وهو عمل في القلب جماعه الخضوع والانقياد للأمر وإن لم يفعل المأمور به ، فإذا قوبل الخبر بالتصديق والأمر بالانقياد فقد حصل أصل الإيمان في القلب وهوالطمأنينة والإقرار ، فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينية ، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد .
5.العلمانية استحلال للحكم بغير ما أنزل الله:
إن العلمانية بما تقوم عليه من تبني الكفر بمرجعية الشريعة في علاقة الدين بالحياة ، وامتناعها عن الالتزام بشرائع الإسلام ، وإتهامها لمن ينازعها في ذلك بالرجعية والتطرف والإرهاب ... الخ ، تعد استحلالا للتحاكم في الدماء والأموال والأعراض إلى غير ما أنزل الله ، وتسويغاً للخروج على شريعة الإسلام في كل ما يتعلق بشئون الحياة ، وكل ذلك من الكفر الصراح الذي لا يجتمع مع أصل الإسلام بحال ، فقد اتفقت الأمة على أن استحلال المحرمات القطعية كفر بالإجماع ، لم ينازع في ذلك - فيما نعلم - أحد ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
( والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه ، أو حرم الحلال المجمع عليه ، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً ومرتداً باتفاق الفقهاء ، وفي مثل هذا نزل قول الله تعالى:( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هو الكافرون ) أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله ( مجموع فتاوى ابن تيمية 3/267 ) .
وإن في الامتناع عن الالتزام بشرائع الإسلام أو بالحكم بها استباحة لما حرم الله ورسول صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن الاستحلال ليس مجرد عدم الاعتقاد بأن الله قد حرم هذا الشيء ، بل يكون أيضاً مع اعتقاد حرمته وعدم التزام هذا التحريم .
فللاستحلال صورتان:
-الأولى: عدم اعتقاد الحرمة ، ومرده حينئذ إلى خلل في الإيمان بالربوبية والرسالة ، ويؤدي إلى كفر التكذيب .
-الثانية: اعتقاد الحرمة والامتناع عن التزام هذا التحريم ، ومرده في هذه الحالة إما إلى خلل في التصديق بصفة من صفات الشارع جل وعلا كالحكمة والقدرة ، وإما لمجرد التمرد واتباع هوى النفس .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:( وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلاً لها فهو كافر بالاتفاق ، فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل، والاستحلال: اعتقاد أن الله لم يحرمها ، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها ، وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية ، ولخلل في الإيمان بالرسالة ، ويكون جحداً محضاً غير مبني على مقدمة .
وتارة يعلم أن الله حرمها ، ويعلم أن الرسول إنما حرم ما حرمه الله ، ثم يمتنع عن التزام التحريم ويعاند المحرم فهذا أشد كفراً ممن قبله ، وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه ، ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته ، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمرداً أو اتباعاً لغرض النفس ، وحقيقته كفر هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ماأخبر به، ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون ، لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه ، ويقول أنا لا أقر بذلك ولا ألتزمه وأبغض هذا الحق وأنفر عنه فهذا نوع غير النوع الأول ، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ) ( الصارم المسلول لابن تيمية: 521 - 522 ) .
فلا يشترط إذن في الاستحلال أن يكون دينياً ، أي يعتقد حل المحرمات ديناً ، بل يكفي ألا يلتزم بهذا التحريم وإن كان مقراً به لكي يكون مستحلاً كافراً بإجماع الأمة .
فمن امتنع عن التزام الحكم بشرائع الإسلام ، وتحاكم في الدماء والأموال والأعراض إلى غير ما أنزل الله ، وشرع للناس من الأحكام ما لم يأذن به الله فإنه يكون مستجيزاً مخالفة حكم الله ، مستحلاً للحكم بغير ما أنزل الله ، وتكفيره معلوم بالاضطرار من دين الإسلام .
6.العلمانية منازعة في أصل دين الإسلام:
فالإسلام كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( يتضمن الاستسلام لله وحده ، فمن استسلم له ولغيره كان مشركاً ، ومن لم يستسلم له كان مستكبراً عن عبادته ، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر ، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده ، وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت ) ( مجموع فتاوى ابن تيمية 3/91 ) .