ولا شك أن العلمانية بما تتضمنه من رفض الاستسلام لله وحده ، وإعلان الكفر بمرجعية وحيه في علاقة الدين بالدولة ، ورفض الدخول ابتداء تحت دائرة التكليف فإنها بهذا تكون منازعة لدين الإسلام
في أصله ، ومناقضة له في أساسه ولبه .
ولكي تزداد هذه الحقيقة جلاء لا بد أن نتعرف على حقيقة الدين وما يندرج تحته من شرائع وتكليفات ، ذلك أن كثيراً من الناس في هذا العصر يخطىء في فهم حقيقة الدين الذي أنزله الله على صلى الله عليه وسلم ويظنه لا يتجاوز ما يقام فينا من شعائر العبادات ، وما يهتف به الوعاظ والخطباء من الدعوة إلى مكارم الأخلاق ، أما ما وراء ذلك من شئون الحياة فلا علاقة للدين به طبقاً لمقولة: دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله ! أو لمقولة لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين ، ولا يخفى أن من كانوا كذلك إنما يتصورون ديناً آخر ويسمونه الإسلام .
فالدين هو جملة ما جاء به صلى الله عليه وسلم من عند الله من عقائد وعبادات وشرائع . كل ذلك داخل في مسمى الدين ، مقصود بقوله تعالى: ( إن الدين عند الله الإسلام ) ( آل عمران: 19 ) وقوله: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ( المائدة: 3 ) .
ولا يخفى أن في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة أحكاماً كثيرة ليست من التوحيد ولا من العبادات ، كأحكام البيع والربا والرهن والدين والإشهاد وأحكام الزواج والطلاق واللعان والظهار والحجر على الأيتام والوصايا والمواريث وأحكام القصاص والدية وقطع يد السارق وجلد الزاني وقذف المحصنات وجزاء الساعي في الأرض فساداً .. بل في القرآن آيات حربية و ... الخ. وهذا يدلنا على أن من يدعو إلى العلمانية أو إلى فصل الدين عن السياسة إنما تصور ديناً آخر وسماه الإسلام .
هذا ولا يخلو حال الداعين إلى هذه النحلة من أحد أمرين:
-إما أن ينكروا كل هذا الحشد الهائل من الأحكام ، ويكذبوا بما جاء فيها من الآيات والأحاديث ، وحكم هؤلاء معلوم بالضرورة من الدين .
-وإما أن يقروا بوجود هذه الأحكام في الكتاب والسنة ، وينكروا صلاحيتها للتطبيق وكفالتها بالمصالح في هذا العصر ، وفي هذا المسلك من الزندقة والكفر ما فيه فإن عيب هذه التشريعات عيب للمشرع جل في علاه وقد استحق إبليس لعنة الخلد ونار الأبد لأنه رد على الله حكماً واحداً من أحكامه ، فكيف بمن رد على الله أحكامه كافة متهماً لها بعدم الصلاحية ، ويعد الدعوة إلى تطبيقها لوناً من ألوان الردة الحضارية ؟!!
لقد عرفت الأمة من قبل - ولا تزال - خلافات فقهية كثيرة تمحورت إلى أربعة مذاهب رئيسية عدا ما اندثر من المذاهب الأخرى ، كما عرفت خلافات عقائدية كثيرة تمحورت إلى قرابة ثلاث وسبعين فرقة وقفت على رأسها الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة وبقي من عداهم من أهل الوعيد .
إلا أن هذه المذاهب وتلك الفرق قد التقت في الجملة على أصل الإيمان بالله ورسوله ، واتفقت على الإقرار المجمل بالتوحيد والرسالة ، فاعتقدوا جميعاً بتفرد الله وحده بالخلق والأمر ، ودانوا جميعاً بأن الحجة القاطعة والحكم الأعلى هو الوحي المعصوم ، وكل ما نشأ بينهم بعد ذلك من الاختلافات فقد كان داخل هذا الإطار فالطاعة للتكليف واتباع صلى الله عليه وسلم لم تكن موضع مماراة من أحد منهم ، ولهذا صح وصف هذه الفرق بأنها فرق إسلامية .
أما منازعة العلمانيين اليوم فهي منازعة في أصل الدين ، ومشاقة بينة لله ولرسوله وللمؤمنين ، إنهم يجادلون في حجية الوحي الأعلى المعصوم ، وينازعون في مبدأ الدخول في دائرة التكليف ، ويكفرون بصلاحية الشريعة كل الشريعة للتطبيق . . إنها ثورة على الإسلام ... وانقلاب ضد النبوة ... إنها حريق حول الكعبة
7.العلمانية طاغوت تَعَّبد الله عباده باجتنابه والكفر به
لقد جعل الله الكفر بالطاغوت قسيم الإيمان بالله ، وتعبد أولياءه بالكفر بالطاغوت واجتنابه في مواضع شتى من القرآن الكريم .
فقال تعالى: ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) ( النحل: 36 ) .
وقال تعالى: ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام له والله سميع عليم ) ( البقرة: 256 ) .
وبين أن ادعاء الإيمان لا يصح مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت ، فقال تعالى: ( ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً ) ( النساء: 60 ) .
وتمدح الذين اجتنبوا الطاغوت ، وجعل لهم البشرى في كتابه الكريم فقال تعالى: ( والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد ) ( الزمر: 17 ) .