فهرس الكتاب

الصفحة 6714 من 27364

ولقد أدى اللبس في هذه القضية وعدم تحديد مناطات الحكم في صوره المختلفة إلى اضطراب كثير من أهل العلم من منتسبي الحركة الإسلامية وغيرهم في تقريرها مما أتاح للمبطلين أن يجدوا من بين فرجات اختلافهم مدخلاً لهم يلبسون به على العامة ، ويسبغون به الشرعية على هذه العلمانية الغازية التي تقوم على رد شرائع الإسلام ، واستباحة الحكم بغير ما أنزل الله ، وإهدار سيادة الشريعة الإسلامية ، وحمل الأمة كلها على تحكيم القوانين الوضعية وذلك بإشاعة القول بأن الكفر الوارد في قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) هو الكفر الأصغر الذي لا ينقل عن الملة ، ويسوقون في ذلك بعض الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين في بيان أنه كفر دون كفر ، وليس كمن كفر بالله وملائكته ، فنصبح بذلك أمام خلل جزئي أو انحراف فروعي لا يبرر انعدام الشرعية ولا سقوط واجب الطاعة .

ولقد نبه الشيخ محمود شاكر رحمه الله في تعليقه على الطبري إلى هذا الخلل وفصل القول في مثل هذه الآثار عند تعليقه على ما أورده الطبري في تفسير قوله تعالى: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) من قول أبي مجلز وهو تابعي ثقة لمن سأله عن معنى هذه الآية وأرادوا أن يلزموه الحجة في تكفير الأمراء لأنهم في معسكر السلطان ، ولأنهم ربما ارتكبوا بعض ما نهاهم الله عن ارتكابه فأجابهم أبو مجلز بقوله: (إنهم يعملون بما يعملون - يعنى الأمراء - ويعلمون أنه ذنب ! قال: بينما أنزلت هذه الآية في اليهود والنصارى ، قالوا: أما والله إنك لتعلم مثل ما نعلم ، ولكنك تخشاهم ! قال: أنتم أحق بذلك منا ، أما نحن فلا نعرف ما تعرفون ! قالوا: ولكنكم تعرفونه ولكن يمنعكم أن تمضوا أمركم من خشيتهم ! ) ( تفسير الطبري 6/252 ، 253 ) .

ويقول الشيخ محمود شاكر رحمه الله: تعليقاً على ذلك ( فلم يكن سؤالهم عما احتج به مبتدعة زماننا ، من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام ، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام ، بالاحتكام إلى حكم غير الله في كتابه وعلى لسان نبي صلى الله عليه وسلم ، فهذا الفعل إعراض عن حكم الله ، ورغبة عن دينه وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى ، وهذا كفر لا يشك أحد من اهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي إليه .

والذي نحن فيه اليوم هو هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء ، وإيثار حكم غير حكمه في كتابه وسنة نبيه ، وتعطيل لكل ما في شريعة الله ، بل بلغ الأمر مبلغ الاحتجاج على تفضيل أحكام القانون الموضوع على أحكام الله المنزلة ، وإدعاء المحتجين بذلك بأن أحكام الشريعة إنما نزلت لزمان غير زماننا ، ولعلل وأسباب انقضت فسقطت الأحكام كلها بانقضائها .

فأين هذا مما بيناه من حديث أبي مجلز ، والنفر من الإباضية من بني عمرو بن سدوس !! ( راجع تفسير الطبري بتحقيق أحمد شاكر 10/349 ) .

ويقول في موضع آخر:( لو كان الأمر على ما ظنوا في خبر أبي مجلز ، أنهم أرادوا مخالفة السلطان في حكم من أحكام الشريعة، فإنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أن سن حاكم حكماً وجعله شريعة ملزمة للقضاء بها ، هذه واحدة ، وأخرى أن الحاكم الذي حكم في قضية بعينها بغير حكم الله فيها ، فإنه إما أن يكون حكم بها وهو جاهل ، فهذا أمره أمر الجاهل بالشريعة ، وإما أن يكون حكم بها هوى ومعصية فهذا ذنب تناله التوبة وتلحقه المغفرة ، وإما أن يكون حكم به متأولاً حكماً يخالفه به سائر العلماء ، فهذا حكمه حكم كل متأول ، يستمد تأويله من الإقرار بنص الكتاب ، وسنة رسول ا صلى الله عليه وسلم ، وإما أن يكون في زمن أبي مجلز أو قبله أو بعده حاكم حكم بقضاء في أمر ، جاحداً لحكم من أحكام الشريعة ، أو مؤثراً لأحكام أهل الكفر على أحكام أهل الإسلام، فذلك لم يكن قط ، فلا يمكن صرف كلام أبي مجلز والإباضيين إليه .

فمن احتج بهذين الأثرين وغيرهما في غير بابهما ، وصرفهما إلى غير معناهما رغبة في نصرة سلطان ، أو احتيالاً على تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله وفرض على عباده ، فحكمه في الشريعة حكم الجاحد بحكم من أحكام الله: أن يستتاب ، فإن أصر وكابر وجحد حكم الله ، ورضي بتبديل الأحكام فحكم الكافر المصر على كفره معروف لأهل هذا الدين ) ( تفسير الطبري بتحقيق محمود شاكر: 10/358 ) .

والذي نخلص إليه من ذلك كله أن قول بعض السلف كفر دون كفر في تفسير هذه الآية لا ينصرف مناطه إلى مناط العلمانية التي ترد مرجعية الشريعة ، وتهدر سيادتها في علاقة الدين بالدولة وتجعل من التحاكم إليها خروجاً على الشرعية وسبباً قاطعاً من أسباب بطلان الحكم ونقضه !

سادساً: شبهة وجوابها

ولكن تبقى بعد ذلك شبهة ، وهي أن هذه النصوص السابقة إنما هي في قوم رفضوا الدخول في الإسلام من البداية ، وأبوا أن يذعنوا له رغم معرفتهم بأنه حق من عند الله ، أما هؤلاء الممتنعون عن التزام الشرائع أو الحكم بها فقد أعلنوا قبولهم للإسلام في الجملة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت