ويجاب عن هذا بأنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا فرق بين من يدفع جميع ما أنزل الله على عباده ، ومن يدفع شيئاً واحداً من ذلك ، كما لا فرق بين من يكذب بالقرآن كله ومن يكذب بسورة واحدة من سوره أو حتى آية واحدة من آياته ، ولا بين من يجحد الإسلام من البداية ومن يجحد حكماً واحداً من أحكامه القطعية ، فمن أعلن قبوله للإسلام والتزامه بشرائعه جملة ، ثم رد شيئاً من أحكامه القطعية فقد خرق بذلك قاعدة الخضوع والتزام الطاعة ، وهي التي تمثل إحدى دعامتي التوحيد كما سبق القول .
ولكن سؤالاً يرد في هذا المقام:
هل مجرد التحاكم إلى الشرائع الوضعية والتزامها يعد خلعاً للربقة وتحللاً من الالتزام بشرائع الله ؟
وفي الجواب على هذا تفصيل لا غنى عن ذكره:
أولاً: لا شك أن الإقدام على نقض أحكام الله وتبديل شرائعه ، وإحلال أهواء البشر محلها طواعية واختياراً بلا عارض من تأويل أو إكراه ، وحمل الأمة على ذلك بقوة السلطان يعد شركاً بالله العظيم وكفراً بربوبيته وألوهيته .
ثانياً: أما من توارث ذلك عمن سبقه من الولاة ، ولم يبتدئ جريمة التبديل والفصل بين الدين والدولة فلا يخلوا حاله من صورة من هذه الصور:
-أن يرضى بهذه العلمانية ، ويعلن التزامه بها ، ويسعى للتمكين لها ، ويعقد ولاءه وبراءه عليها ، فهذا لا شك في كفره ، لأن الرضا بالكفر والتزامه كفر بالاتفاق .
-أن يعلن الكفر بها والعزم على تغييرها ، ويتخذ بهذا الصدد خطوات حقيقة تبين صدقه في دعواه ، فهذا قد برئ من الرضا والمتابعة ، وذلك هو المسلم الذي له ذمة الله ورسوله ، ويجب على الأمة عونه وتأييده ، وقد يستغرق استكمال التغيير مدداً تطول أو تقصر ، ولكن هذا لا يقدح في صحة إسلامه ما صدقت أفعاله أقواله .
-أن يروغ في مواقفه ، فلا يعلن صريح الرضا والمتابعة ، ولا صريح الانخلاع والبراءة وإنما تتذبذب مواقفه بين الفريقين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، فهذا هو النفاق الذي ما فتئت تواجهه الدعوات على مدار التاريخ ، وعلى الأمة أن تتابع مواقفه ، وأن تلجئه إلى التزام أحد المنهجين لتفوت عليه ما يريده من الخداع والتلبيس ، فإذا ما أظهر نفاقه بيقين فقد زالت شرعيته وسقطت طاعته .
والحق أن هذا الموقف الأخير هو أخطر ما يواجه الدعوة إلى إقامة الدين في هذا العصر ؛ لأنه يجعل الناس في هؤلاء المارقين فئتين:
-فئة تحسن الظن بأقوالهم فتلقي إليهم السلم ، وتشايعهم بالقول والعمل ، وتتهم الآخرين بالغلو والشطط !
-وفئة أخرى حاكمت أقوالهم إلى أعمالهم ، فتبين لها كذب المقالات وزيف الشعارات ، فلم تقم لها وزناً وحكمت عليهم بما أسفر عنه استقراء واقعهم ورصد حقيقتهم .
وإن المعركة الحقيقية في مثل هذه المواقع لا بد أن تكون على محورين:
-الأول: بيان حقيقة التوحيد وتبليغها للكافة حتى يستفيض العلم بأنه لا حكم إلا لله ، وأن العلمانية والإسلام نقيضان ، وأن تحكيم القوانين الوضعية لا يجتمع مع أصل الإيمان بحال من الأحوال .
-الثاني: بيان حقيقة الواقع ورصده بمنتهى الموضوعية والدقة ، حتى يتبين للناس الحقيقة والدعوى في هذه المزاعم والادعاءات .
ذلك أن من الناس من يجهل حقيقة التوحيد وعلاقته بتحكيم الشريعة ووجوب إفراد الله بالطاعة .
ومنهم من يجهل حقيقة الواقع تحت تأثير أبواق التضليل والدعاية وخبراء الخداع والتلبيس ! وهؤلاء يمثلون في الواقع نسبة عالية لا يستهان بها ، وفيهم الدعاة والهداة من حملة القرآن والسنة من يقرون بالقضية في جانبها العلمي ، وتعتبر عند كثير منهم من البدهيات والمسلمات ، ولكنهم فتنوا بالشعارات والتصريحات التي تطلقها أبواق العلمانية فشوشت عليهم الرؤية وجعلتهم في أمر مريج !
بقيت مسألة في غاية الأهمية وهي أن موقف الدعوة من العلمانية موقف عقيدي ثابت ، فالعلمانية والإيمان نقيضان ، وهي من الطواغيت التي تَعبَّد الله عباده بالكفر بها واجتنابها ، ومهما تفاوتت اجتهادات الدعاة في أشخاص القائمين عليها من طواغيت البشر فلا علاقة لذلك بالقضية الأصلية وهي رفض هذا المنهج وعدم مشايعة سدنته بقول أو عمل .
سابعاً: من فتاوى أئمة المسلمين في علمانية التشريع
* ابن كثير:
قال عند تفسير قوله تعالى: ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون ) ( المائدة: 50 ) .
( ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى المشتمل على كل خير ، الناهي عن كل شر ، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله ، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات والضلالات ، وكما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق ، وهو عبارة عن كتاب أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية ، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه ، فصارت في بنيه شرعاً يقدمونها على الحكم بالكتاب والسنة ، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم بسواه في قليل ولا كثير ) ( تفسير ابن كثير: 2/ 67 ) .