فهرس الكتاب

الصفحة 8386 من 27364

مصر وتركيا و"الشرق الأوسط الكبير"

الدور المصري والتركي في ظلال الشرق الأوسط الكبير*

د.نادية مصطفى**

ترجمة: شيرين حامد فهمي***

إن مفهوم"الشرق الأوسط"يستوعب كلا من تركيا ودولا غير عربية، ودولا عربية.. في داخل منظومة واسعة، تشتمل على تفاعلات إقليمية، وليست تفاعلات عربية فحسب. وقد بدأ مصطلح"الشرق الأوسط"في الظهور منذ حوالي قرن، ثم تجددت أهميته الآن بعد عدة انتكاسات أصابت المنطقة العربية والإسلامية مؤخراً.

بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية شهدنا ميلاد النظام"الأتاتوركي"في تركيا، وكذلك ميلاد القومية العربية في الدول العربية؛ الأمر الذي أدى إلى بروز الصراع والتطاحن بين الأتراك والعرب.

وطبعا كان الطرف الثالث -الاستعمار الأوربي- هو المستفيد الأول من تلك الصراعات التي عززها وعمقها كل من: الحرب الباردة وإقامة دولة إسرائيل وتوجهات القوميين العرب الراديكاليين. إلا أنه منذ عام 1991 (في ظل حرب الخليج الثانية ومشروع مدريد للسلام) بدأت العلاقات في التحسن تدريجيا. وقد نستخلص هنا أن التأثيرات والتدخلات الخارجية كان لها باع كبير على المناخ الإقليمي، ومن ثم على العلاقات العربية التركية، وعلى مواقف كل منهما تجاه الظروف والمستجدات الإقليمية.

وإذا قمنا باستطلاع تاريخ الإمبراطورية العثمانية سواء في لحظات قوتها أو ضعفها وجدنا أن التدخلات الخارجية كانت ذات تأثير سلبي على العلاقات العربية التركية. واهتمامنا الحالي ينصب أساسا على"الشرق الأوسط فيما بعد 9-11"؛ حيث تواجه المنطقة في ظل هذا الوقت الحرج ضغوطا مفروضة من قبل القوة الأمريكية المهيمنة وحلفائها، تطالبها بالتغير وبإعادة التشكيل. ومن ثم فنحن أمام تدخل خارجي هائل سيؤثر بقوة وبشدة على التوازنات الإقليمية، وعلى الأنظمة الداخلية. ولذلك فإن إطلاق مبادرة"الشرق الأوسط الكبير"بعد احتلال أفغانستان ثم العراق ليس إلا خطوة ثالثة من أجل تطبيق الإستراتيجية الأمريكية بعد الحادي عشر من سبتمبر. وستنصب قضيتنا الأساسية في هذه الورقة على تحديد موقف كلٍ من الطرفين: العربي والتركي، تجاه هذه المبادرة الأمريكية.

اتسمت العلاقات العربية التركية في النصف الأخير من القرن العشرين بالتذبذب والتطور المستمر، وهي ظاهرة كانت نتيجة لعاملين مهمين: الدور التركي في الإستراتيجية الأمريكية والتوجه التركي تجاه الغرب من ناحية، والعلاقات التركية الإسرائيلية من ناحية أخرى. وتطور العلاقات بين الطرفين يعكس بوضوح ماهية السياسة التركية تجاه الشرق الأوسط التي نظرت إلى العلاقات مع العالم العربي على كونها أداة، لا على كونها هدفا في حد ذاتها. بلغة أخرى: لقد نظرت تركيا إلى علاقاتها مع الولايات المتحدة، وإلى تحالفها مع إسرائيل، وإلى اندماجها في داخل أوربا، على كونها متغيرات مستقلة، بينما نظرت إلى علاقاتها مع العرب على كونها متغيرات تابعة.

إن فهم الدور التركي حيال المبادرة الأمريكية التي من شأنها إعادة تشكيل الشرق الأوسط يستلزم التالي:

1)دراسة المحددات الدولية والإقليمية التي تحيط بكل من مصر وتركيا.

2)تحديد مناطق وموضوعات التفاعل والتماس بين مصر وتركيا.

3)دراسة نظرتنا نحن المصريين للتوجهات التركية العامة حيال إعادة تشكيل الشرق الأوسط بعد الحادي عشر من سبتمبر.

هذه الورقة باختصار تهدف إلى مناقشة المشكلة الآتية: العلاقة بين العناصر الجيوإستراتيجية التي تساعد على إمكانية تصاعد الصراعات والتوترات، والأواصر الثقافية والتاريخية الواحدة التي تساعد على إمكانية ظهور أفق للتعاون.

أولاً: محددات إعادة تشكيل الأنظمة العربية حيال نظام شرق أوسطي بعد 11/9:

1)المحددات الخارجية: الإستراتيجية الأمريكية العالمية (الحرب ضد الإرهاب) : التدخل الأمريكي ذو المشارب المتعددة لإعادة تشكيل المنطقة منذ الحرب الباردة، والإستراتيجية الأمريكية حيال الشرق الأوسط متأثرة من قبل إستراتيجيتها العالمية، ومن ثم كان موقف كل من مصر وتركيا متعلقاً بتطور هاتين الإستراتيجيتين. أحداث الحادي عشر من سبتمبر لم تفرز إستراتيجية عالمية أمريكية جديدة؛ بل إن الفكر الإستراتيجي الأمريكي كان قد خطط من قبل الأحداث التي لم يكن دورها إلا تسليط الضوء على الإستراتيجية الأمريكية، وجعلها أكثر بروزا وظهورا.

وتتلخص السياسات والدوافع الأساسية للإستراتيجية الأمريكية في التالي:

1)مكافحة الإرهاب تبعا للمنظور الأمريكي، وهو غير مقصور على استخدام الآلة العسكرية، وإنما تؤيده السياسات الاقتصادية والدبلوماسية والثقافية.

2)إحكام السيطرة على مصادر النفط الممتدة من وسط آسيا إلى منطقة الخليج، وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية لما يمهد لفرض الهيمنة الأمريكية على العالم بأَسره.

3)منع ظهور القوى الكبيرة (الصين، روسيا، الاتحاد الأوربي) ، وطردها من ساحة المنافسة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وإعادة تشكيل العالم الإسلامي بما يتناسب مع مصالح التحالف الأمريكي الصهيوني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت