فهرس الكتاب

الصفحة 8388 من 27364

قامت أحداث سبتمبر بفرض تحديات وتدخلات على المنطقة العربية والإسلامية؛ مما سيؤثر حتما على خيارات الدولتين، وعلى نظرة كل واحدة منهما تجاه الأخرى. فكان منظور بعض التوجهات المصرية تجاه تركيا كالآتي:

-أن تركيا دولة غربية وليست إسلامية، أو ربما تكون إسلامية ولكنها تواجه أزمة هوية بسبب المعوقات التي تجابهها على صعيد الامتزاج في داخل القارة الأوربية؛ الأمر الذي سيجعلها تراجع سياستها الخارجية، وتعيد النظر بشأنها.

-أن تركيا إما أنها تعتبر مصدرا للتهديد ضد المصالح العربية وضد الأمن العربي، وإما أنها تعتبر حليفة ممكنة بسبب الإرث الإسلامي الواحد الذي يجمع الأتراك والعرب.

-أن تركيا تمثل نموذجاً للعلمانية الحديثة التي تكون بمثابة جسر بين العلمانية الغربية والإسلام، أو أنها تمثل نموذجا"للإسلام السياسي المعتدل"الذي يُسمى"العلمانية الإسلامية"التي يمكن دمجها في ظل دولة شبه ديمقراطية يسيطر عليها العسكر.

ومن أجل توضيح الدور الذي يلعبه التدخل الأمريكي للتأثير في مواقف الدولتين (مصر وتركيا) لا بد من الإشارة إلى 6 عوامل مهمة:

1)التغير الداخلي على الصعيدين السياسي والاجتماعي.

2)التنسيق الأمني الإقليمي والتنسيق الاقتصادي الشرق أوسطي بعد احتلال العراق.

3)التحالفات الإقليمية في فترة ما بعد احتلال العراق.

4)انهيار عملية السلام.

5)التحالف الإسرائيلي التركي.

6)حوار أو تصادم الثقافات.

وسنقوم في هذه الورقة بعرض عاملين فقط لضرب أمثلة توضيحية للقراء:

1)التغيير الداخلي وإمداداته الخارجية:

إن التغيير الداخلي سواء سياسياً أو اقتصادياً في كلٍ من مصر وتركيا صار مسألة خارجية. فالدولتان تسيران في منهاج التغيير الداخلي، ولكن عينهما -في اللحظة نفسها- على ردود الفعل الخارجية، وعلى ضغوط الدول الكبرى.

فعلى الجانب التركي نلاحظ الآتي:

محاولة تقديم صورة للإسلام المعتدل الذي يحظى على قبول الولايات المتحدة، والتعامل مع أزمتي حقوق الإنسان والهوية بدون استثارة غضب الغرب، وفي نفس الوقت بدون قطع العلاقات بين"الحزب الإسلامي الحاكم" (العدالة والتنمية) وجذوره الانتخابية والمجتمعية. باختصار: إن التطورات الداخلية الحالية في تركيا تسير تحت ضغط كلٍ من: مستقبل عضوية تركيا في داخل الاتحاد الأوربي، والمواجهة الممكنة مع الهيمنة الأمريكية التي يمكن أن تأتي بمخاطر وتهديدات حقيقية تضر بالمصالح الداخلية.

إن الخبرة السياسية التركية في ظل التاريخ الحديث (منذ الإصلاحات العثمانية في أواخر القرن الثامن عشر حتى التغييرات الراديكالية التي أحدثها أتاتورك) سلطت الضوء على تأثير الأطراف الخارجية. ومما لا شك فيه أن أحداث سبتمبر قد فرضت المزيد من القيود، خاصة على الحزب الإسلامي الحاكم. ومن الواجب علينا هنا في هذا الصدد التذكير بمدى أهمية دراسة طبيعة حزب العدالة والتنمية، وكيف أنه استطاع كسب هذا الكم الكبير من الأصوات، مع قدرته في نفس الوقت على إدارة علاقته مع الولايات المتحدة المعروفة بمواقفها المتحيزة ضد كلٍ من العراق وفلسطين.

أما بالنسبة لمصر التي تعرض نموذجا آخر للعلاقة بين الإسلام والدولة والمجتمع؛ فإن الظروف الحالية تفرض نوعا مختلفا من الضغط الخارجي على الخبرة المصرية في عملية التغيير الداخلي؛ فما زال هناك -حتى هذه اللحظة- تيار إسلامي ضخم يُنظر إليه بعدم الرضا؛ لكونه غير شرعي. وبالرغم من أن الأخير قد بدأ بالفعل في المشاركة مع تيارات سياسية أخرى في مصر لإدخال بعض الإصلاحات المطلوبة حتميا على الصعيد السياسي فإنه ما زالت هناك شكوك حول ردود الفعل الأمريكية.

لم يعد دور"العسكر"في مصر وتركيا مهيمناً، كما كان الوضع من قبل؛ فالدولتان تشهدان حركة واسعة للتعبئة المجتمعية؛ مما يعكس نوعاً من تجديد دور الإسلام في أنشطة المجتمع المدني، سواء اجتماعياً أو تعليمياً. وبينما قامت هذه الحركات المدنية برفض الإصلاحات التعليمية والثقافية -التي تبغي الولايات المتحدة فرضها كوسيلة لمحاربة جذور الإرهاب- كنوع من رفض التدخل الخارجي، إلا أن التيارات السياسية والاجتماعية المختلفة قد اجتمعت كلها على إلزام الخطاب الديني بالتجديد. وحتى الآن لم يُتفق على صيغة مناسبة لتجديد محتوى هذا الخطاب.

بلغة أخرى: إن مستقبل الإصلاحات والتغييرات الداخلية في مصر وتركيا سوف يؤثر على مساحة التوازنات بين القوى السياسية الشرق أوسطية (علماني/إسلامي) ، وسيؤثر أيضاً على طبيعة الديمقراطية التي ستتبناها الأنظمة السياسية. وهذه المساحة سوف تؤثر بدورها على توجهات السياسات الخارجية، وعلى نوعية التحالفات الإقليمية.

2)دوائر السياسة الخارجية: تأثير الإستراتيجية الأمريكية العالمية، وضرورة التغيير الداخلي وتنسيق الأمن الإقليمي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت