فهرس الكتاب

الصفحة 8389 من 27364

لا جدال أن كلا من البلدين له علاقات خاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ بغض النظر عن الاختلافات في طبيعة ودرجة العلاقات بالنسبة للدولتين. ولا جدال أيضا أن لكل دولة دوائر للسياسة الخارجية، تختلف عن الأخرى، وأن أولويات هذه الدوائر تختلف تبعا للوقت المحاطة به. فعلى الجانب التركي نجد أن هذه الدوائر هي قائمة: الأوربية، الأطلنطية، الشرق أوسطية، وسط آسيا، البلقانية، والإسلامية. وعلى الجانب المصري نجد أن هذه الدوائر هي قائمة: العربية، الإفريقية، المتوسطية، الشرق أوسطية، الإسلامية والجنوبية.

وكلا المجتمعين -المصري والتركي- يواجه أزمة هوية، قامت بإثارة التوترات بين النخب ذات التوجهات الفكرية المختلفة. وهذه الأزمة قامت بدورها بتصعيب وتعقيد خيارات ومواقف السياسات الخارجية.

وتحت تأثير الإستراتيجية الأمريكية العالمية وإملاءاتها لخلق شرق أوسط جديد تغيرت أولويات هذه الدوائر. فعلى الصعيد المصري نجد دائرة"الشرق الأوسط"هي التي اعتلت القمة على حساب الدوائر الأخرى، خاصة الدائرة العربية. وعلى الصعيد التركي نجد دائرة"الشرق الأوسط"تعتلي أيضاً القمة على حساب الدوائر الأخرى، وخاصة الأوربية.

إن التنسيقات الشرق أوسطية (التي تشتمل على تضييق العلاقات مع إسرائيل، وكذلك على تحالف متوازن مع الولايات المتحدة أمام الأزمات العربية) ستكون بمثابة الثمن الذي ستدفعه تركيا في سبيل الحصول على المكاسب على مستوى الدائرة الأوربية. ولكن علينا أن نسأل من الناحية الأخرى: إلى أي مدى يمكن للموقف السياسي الداخلي (حزب العدالة والتنمية) أن يؤثر على التوجهات التركية تجاه المزيد أو التراجع من التحالف مع إسرائيل والولايات المتحدة على حساب توازن العلاقات مع العالم العربي والإسلامي؟

وعلى الجانب الآخر نجد أن الموقف المصري -في ظل الإستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط- سيكون له دور كبير في التأثير على التوجهات المصرية تجاه الدائرتين العربية والإسلامية، وكذلك تجاه الدائرة المتوسطية الأوربية.

إن النزاع بين النظام الشرق أوسطي في ظل الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية والشراكة الأوربية المتوسطية في ظل قيادة الاتحاد الأوربي.. سوف يلبس ثوباً جديداً يعطي لكلٍ من الدورين التركي والإسرائيلي أهمية متصاعدة على حساب الدور المصري، وعلى حساب المساعي التي تبذل من أجل إعادة بناء نظام إقليمي عربي من جديد.

الخلاصة:

يتبقى بعد هذا العرض الموجز عدة تساؤلات، لا بد من طرحها:

هل الظروف التي يمر بها الشرق الأوسط حالياً تشجع على إمكانية الوصول إلى تنسيق بين مصر وتركيا؟ وهل هذا التنسيق سيساعد على إحداث توازن بيّن أمام التدخل الأمريكي، مقللا بذلك من حجم التأثيرات السلبية على المصالح الوطنية لكلٍ من الدولتين، خاصة مصر؟ هل المحددات الخارجية -خاصة الإستراتيجية الأمريكية العالمية- تشكل قيوداً أكثر على مصر من تركيا التي تعتبر الحليف التقليدي للولايات المتحدة وإسرائيل؟ هل ستمنع هذه المحددات تنسيقا مثمرا بين مصر وتركيا؟

وإذا كانت الضغوط والمحددات الخارجية على تركيا ليست بالضخامة التي تعاني منها مصر؛ فهل بإمكان التنسيق المصري التركي أن يُصعد من الخيارات المصرية؟ وإذا كانت مصر قادرة على تحديد المكاسب الاقتصادية المباشرة التي ستجنيها من خلال علاقتها مع تركيا.. فهل سيمكنها ذلك من التأثير على المواقف التركية تجاه الأجندة العربية التي تحتوي على:"العراق بعد الاحتلال"، و"القضية الفلسطينية"، و"الحصار على سوريا"، و"الأمن الخليجي"؟

بلغة أخرى: إذا كان الدور المصري الحالي مكبلا بالقيود والضغوط.. فهل بإمكان التنسيق المصري التركي أن يساعد على بعث الحيوية والفاعلية في الدور المصري من جديد؟

وعلى الناحية الأخرى فإن تركيا لا تشعر أبداً بأن مصالحها المباشرة (الاقتصادية) مع العرب معرضة للخطر؛ ومن ثم فهي لا تشعر بحتمية أو بضرورة مراجعة سياستها تجاه المسائل العربية، خاصة مسألة المياه، أو مسألة تقليص التحالف مع إسرائيل، بينما الأخيرة متواصلة في اعتداءاتها على الشعب الفلسطيني. إلا أننا نجد بعض القوى المصرية غير الرسمية تعارض السياسة التركية، وترى فيها مصدرا للخطر. ومن ثم فعلى الجانب التركي أن يعيد النظر في بعض سياساته؛ من أجل تحقيق المزيد من التنسيق والتربيط مع مصر (فرض بعض الضغوط على إسرائيل بدلا من بيع المياه لها) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت