فهرس الكتاب

الصفحة 8462 من 27364

بعبارة أخرى كانت واشنطن في حيرة منذ إطلاق الحديث عن التدخل لتعزيز الديمقراطية في البلدان العربية، وتعيش مأزقا حقيقيا بين (الخطط) التي وضعتها ضمن حملة الرد على اعتداءات 11 سبتمبر ومنها إعادة تأهيل دول عربية وإسلامية ديمقراطيا، وبين (النتائج) التي تبين لها أن هذه الخطط ستضر بمصالحها إذا تم تنفيذها؟!. إذ إنه وفقا لهذه الخطط يرى الأمريكيون أن جوانب كبيرة من مشاعر الكراهية ضد أمريكا بين العرب والمسلمين تعود في جانب منها لغياب الديمقراطية في البلدان العربية وانتشار الفقر، ما يترتب عليه من انتشار العنف الذي يوجه إلى هذه النظم وأمريكا التي (تتغاضى) عن انتهاك الحريات في هذه الدول ورزوحها تحت الفقر، ولكن النتائج التي بدأ الخبراء الأمريكان يحذرون إدارتهم منها -ومنهم (هاس) في خطابه الهام- هي أنه لو تم السماح بالديمقراطية في العالم العربي فسوف ينتج عنها انتخابات حرة، وفوز أنصار التيار الإسلامي المفترض أنهم أعداء أمريكا!

ويبدو أن الجولة التي قام بها هاس مؤخرا لعشرات الدول العربية والإسلامية، فضلا عن ورش العمل التي لم تتوقف في الأجهزة الأمريكية المختلفة لبحث (النتائج) التي سوف تترتب على هذه الخطط على المصالح الأمريكية توصلت إلى قناعة أن التعامل المباشر مع الإسلاميين الأكثر شعبية أو أي قوى شعبية عموما قد يكون أفضل من التعامل مع حكومات لا تعبر عن الشارع العربي بشكل حقيقي، وقد يكون ضررها أكبر، مع الأخذ في الاعتبار مقولة يرددها بعض المحللين، مفادها أن فوز الإسلاميين ليس أمرا مطلقا، ولكنه لأنهم المعارضة الأكثر تنظيما.

وربما أسهمت التجربة التركية في لفت أنظار أمريكا إلى أن الإسلاميين ليسوا كما تصورهم التقارير كلهم بن لادن أو الملا عمر، خصوصا أن الإسلاميين الذين فازوا في 4 دول عربية وإسلامية مؤخرا تحدثوا بشكل أكثر اعتدالا عن الرغبة في التعاون مع أمريكا، وعدم عدائهم للشعب الأمريكي، وقصر خلافهم على سياسات الإدارة الأمريكية نحو قضايا العرب والمسلمين وانحيازها لإسرائيل.

ولا ننسى أن"هاس"نفسه استشهد في تقريره بالتجربة التركية، ورد على من يقولون:"إن الديمقراطية مستحيلة في العالم الإسلامي؛ لأنه لديه القليل من التاريخ أو التقاليد الديمقراطية".. بعبارة"هذا قول أرفضه أيضًا".

مدرسة الديمقراطية الليبرالية تفتح أبوابها!

ومع أن خطط مدرسة الديمقراطية الأمريكية بدأ الحديث عنها بشكل أكثر وضوحا في أول نوفمبر الماضي 2002، بعدما تم الكشف عن تفاصيلها عبر صحف أمريكية، ونقلتها تفصيلا صحيفة"البيان"الإماراتية يوم 3 نوفمبر الماضي، وفي أعقاب تصريحات للرئيس بوش ومستشارة الأمن القومي رايس عن تعليم المسلمين الديمقراطية؛ فقد لوحظ أن الدراسة بدأت بالفعل في أواخر أكتوبر 2002 من خلال برنامج يسمى"برنامج الزائر الدولي"طُبق على 50 سيدة عربية من 14 دولة عربية.

أما لماذا البدء بالنساء؟ فقد شرحه هاس في خطته أمام الكونجرس في الفقرة السادسة من اقتراحاته التي نصت على أن:"النساء عنصر حيوي في الديمقراطية. لا يمكن أن تنجح البلدان إذا حُرم نصف سكّانها من الحقوق الديمقراطية الأساسية. فالحقوق التي تتمتع بها النساء هي عامل حاسم أساسي في الحياة النابضة لأي مجتمع. فالمجتمعات التي يحكمها الرجال والتي تلعب فيها النساء دوراً تابعاً لدور الرجال هي أيضاً مجتمعات يلعب فيها الرجال دوراً تابعاً لدور رجال آخرين؛ حيث يُحال مبدأ الجدارة إلى المقاعد الخلفية، وتسبقه العلاقات الشخصية والمحسوبية ومحاباة الأقرباء".

والبرنامج المذكور الذي شاركت فيها نساء 14 دولة عربية ركز على"بناء الديمقراطية"حتى إن أحد المسؤولين في الخارجية خطب في السيدات العربيات قائلا:"نعلّق آمالا كبيرة عليكن، ونأمل في أن نسمع عن منجزاتكن في المستقبل"، وذكّرهن بأن برنامج الزائر الدولي استضاف أشخاصا عديدين صاروا قادة سياسيين، منهم أنور السادات، ومارجريت تاتشر، وعبد السلام المجالي!

ويبدو أن هذا البرنامج هو الخطوة الأولى ضمن سلسلة خطوات أمريكية لتعليم العرب -والبداية بالنساء- مبادئ الديمقراطية الأمريكية، والسعي لتغيير نظم الحكم في المنطقة العربية طوعا أو كرها؛ بدعوى أن"دمقرطة"المنطقة ستؤدي لمكاسب أمريكية كبيرة، وتحجب عنها مخاطر"الإرهاب"كما حدث في 11 سبتمبر؛ إذ أكد مسؤول آخر في الخارجية الأمريكية -ممن تعاقبوا لإلقاء المحاضرات على السيدات العربيات- لهن:"نعتبر أنفسنا مسؤولين عن تغيير الحكومات التي تهدد الأمن والسلام؛ باعتبارنا أقوى دولة في العالم"!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت