فقد سبق للرئيس الأمريكي جورج بوش التأكيد على أن تطبيق الديمقراطية في العالم العربي أحد أهداف سياسته الخارجية، كما أشارت مستشارة الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي كوندوليزا رايس في سبتمبر 2002 إلى أن الولايات المتحدة تريد أن تكون"قوة محررة"تكرس نفسها"لإحلال الديمقراطية ومسيرة الحرية في العالم الإسلامي". وأضافت في تصريحات لصحيفة"فايننشال تايمز"البريطانية أن المبادئ الجيوإستراتيجية لما بعد الحرب الباردة تحتم على واشنطن النضال من أجل ما وصفته بالقيم الليبرالية الأمريكية الذي يجب"ألا يتوقف عند حدود الإسلام". وقالت:"إن هناك عناصر إصلاحية في العالم الإسلامي نريد دعمها".
ثم حاضرت كوندوليزا رايس في النساء العربيات في برنامج الزائر الدولي -الذي كان تحت عنوان"تمكين المرأة العربية"- عما أسمته"الإصلاح الديمقراطي في العالم العربي"، وتحدثت عن الخطط الأمريكية في هذا الصدد، ولكن الطريف هنا أن بعض النساء العربيات هاجمن السياسة الأمريكية في فلسطين والعراق أمام رايس، وتلون آيات قرآنية تدعو أمريكا للعدل والبعد عن الظلم مثل:"وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ"، و"إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ"، حتى إن مصرية -لم يعرف من هي- أكدت لرايس أن أمريكا إن عملت بهذا القول فستتربع في قلوب العالم!
وقد ركز هذا البرنامج الذي أشرفت عليه إليزابيث تشيني نائبة مساعد وزير الخارجية وابنة نائب الرئيس ديك تشيني على تعليم النساء العربيات أسلوب الحملات الانتخابية وتمويلها، وشجعتهن على عدم الخوف من أي شيء، وإقامة جماعات الضغط النسائي، والإسهام في بناء المجتمع المدني.
والمشكلة أن المشروع الأمريكي لـ"دمقرطة"منطقة الشرق الأوسط -كما ورد في تقرير صادر عن واشنطن، نشرت تفاصيله صحف أجنبية في نوفمبر الماضي-، وكذلك خطة هاس التي تعد أكثر رسمية.. يقرران أن هناك مصالح إستراتيجية أمريكية تحكم التحرك تجاه دول عن أخرى بصدد تطبيق الديمقراطية، وفرض عقوبات عليها!
فالتقرير الذي نشرته صحف أمريكية في نوفمبر الماضي يقول:"إن العقوبات الاقتصادية أصبحت تتعارض في بعض الأحيان مع المصالح الإستراتيجية العليا التي لا يمكن تجاهلها". وإن ذلك ينطبق بصورة خاصة على العلاقة مع بعض الدول التي تتفاوت فيما بينها في تطبيق المبدأ الديمقراطي، وفي ذات الوقت لا يمكن أن نتجاهل المصالح الإستراتيجية العليا التي تشكل حجر الزاوية للإستراتيجية الأمريكية المقبلة"!"
ويقول التقرير: إنه سيتم البدء بالعراق -بالقوة طبعا-، تليه دول الخليج التي ستتأثر بما يحدث في العراق، وستكون سوريا هي المحطة الرئيسية الثالثة بعد منطقة الخليج، وسنحاول أن نحافظ على النظام الجمهوري في سوريا، وتطوير الديمقراطية في داخل الأردن.
أما أخطر ما في هذا التقرير فهو اللعب بورقة الأقليات أو تفتيت بعض الدول، وفصل أجزاء منها بزعم أن هذا سيكون لصالح الاستقرار، والنموذجان المطروحان هنا في التقرير -الذي جرى تسربه علنا على ما يبدو للإعلام لجس النبض- هما مصر والسعودية؛ حيث المطروح بالنسبة لمصر طرح فكرة دويلة قبطية في صعيد مصر؛ حيث يزعم التقرير أن"الدمقرطة"الكاملة والتطور السياسي الأمثل في مصر سيتحقق من خلال إقامة كيان قبطي في مصر حفاظاً على حقوق وحريات الأقباط؛ لأنه لا يمكن أن يكون للأقباط حقوقهم الديمقراطية وتمثيلهم العادل في ظل تلك الأكثرية من المسلمين، وفي ظل نظام الحكم الذي يراعي أوضاعًا كثيرة في هذه المسألة، ويتجاهل عن عمد كل طلبات وشكاوى الأقباط.
"أما في السعودية فالمطروح هو أن تكون هناك دويلة خاصة في المنطقة الشرقية، على أن يتولى إدارة هذه المنطقة شركة أرامكو، وأن تكون هذه المنطقة بمثابة المركز السياسي للإدارة السياسية الأمريكية في المنطقة!".
أما خطاب هاس فقد أشار لهذه النقطة بشكل مخفف نسبيا، عندما قال:"إن هناك عدة نماذج للديمقراطية. ليس على العملية الديمقراطية اتباع نموذج واحد. والحقيقة أنه لا يوجد نموذج ديمقراطي واحد لتقليده، بدءًا من الملكيات الدستورية إلى الجمهوريات الفدرالية وإلى الأنظمة البرلمانية من كل الألوان".