سوف نفعل ذلك مع علمنا التام أن الديمقراطيات غير كاملة. إنها معّقدة. والحقيقة، أن القادة في بعض الدول الإسلامية يقابلون بين الأنظمة الديمقراطية وبين أنظمتهم، وهي أنظمة أكثر نظاماً، ويشيرون بارتياح إلى الاستقرار الظاهري التي تؤمنه أنظمتهم. لكن الاستقرار القائم على السلطة وحدها استقرار وهمي وتستحيل استدامته في نهاية المطاف. لقد شاهدنا في إيران ورومانيا وفي ليبيريا ماذا حصل عندما تنفجر طنجرة الضغط. فالأنظمة الاستبدادية الجامدة لا يمكنها الصمود بوجه صدمات التغيرات الاجتماعية والسياسية أو الاقتصادية، خصوصاً من النوع أو بالوتيرة التي يتميز بها العالم المعاصر.
الدور الذي تلعبه الديمقراطية في تأمين الاستقرار الداخلي بيّنته بوضوح محادثة أجريتها مع مجموعة إسلامية مؤخراً خلال زيارتي للهند. فقد شرحوا لي الأسباب التي تقف وراء غياب الإرهاب لدى المجتمعات الإسلامية الكبيرة في الهند. كان تفسيرهم أن الهند بلد ديمقراطي، وأن المسلمين يشاركون فيه بالكامل، وفي المناسبات التي لا يشاركون فيها، لهم الحق الكامل في اللجوء إلى النظام القضائي.
عندما نجعل من العملية الديمقراطية أولوية كبرى في تعاملنا مع العالم الإسلامي، علينا قبل أي شيء آخر، على غرار الأطباء، احترام حلف هيبوقراط وعدم التسبب بالإيذاء أولاً. فالحماس غير المنضبط لتحسين العالم قد يجعله أسوأ. علينا القيام بهذه المهمة بتواضع مُتفهمين أن رهان الآخرين أكبر من رهاننا. ففي الوقت الذي تتحرك فيه شعوب العالم الإسلامي نحو تطور أكثر انفتاحاً وديمقراطية، يتوجب علينا ليس فقط تشجيعهم ومساعدتهم، بل نحتاج أيضاً إلى الإصغاء إلى الشعوب المعنية مباشرة بشكل أكبر.
الدوافع الأميركية
قد يتساءل الناس عن التوقيت، وبالطبع عن الدوافع، لإثارة هذه القضية في هذا الوقت بالذات. وقد يشير البعض إلى أن حديثي هذا المساء يأتي وسط جهود دولية مضاعفة لجعل العراق ينصاع لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وقد يرى آخرون في كلامي حول الديمقراطية إما محاولة لإخفاء مصلحتنا في تغيير النظام في العراق، أو كإشارة لعدائنا تجاه شعوب العالم الإسلامي. وبالطبع، سوف يذهب البعض إلى حد القول إن الحديث الأميركي حول الديمقراطية يهدف إلى قلب الأنظمة عبر الشرق الأوسط، أو سوف يستخدم كعملية تأديبية ضد الذين ينظر اليهم كأعداء لأميركا. اسمحوا لي أن أتناول بعض هذه المخاوف.
أولأً، ليس هناك برنامج عمل مخفي. إن الأساس المنطقي الأميركي في تشجيع الديمقراطية في العالم الإسلامي هو في نفس الوقت لمصلحتنا ولمصلحة الغير. فالمزيد من الديمقراطية في البلدان ذات الأكثرية الإسلامية هو أمر جيد بالنسبة للشعوب التي تعيش هناك. لكنه أيضاً جيد بالنسبة للولايات المتحدة. فالبلدان المبتلاة بالجمود الاقتصادي والافتقار إلى فرص العمل، وبالأنظمة السياسية المغلقة، وبالسكان المتكاثرين بسرعة، تغذي العداوة لدى مواطنيها. ويمكن أن تكون تلك المجتمعات، كما تعلمّنا من التجربة القاسية، أرضاً خصبة لتربية المتطرفين والإرهابيين الذين يستهدفون الولايات المتحدة بحجة دعمها للأنظمة التي يعيشون في ظلها. الأمر الآخر الذي له أهمية معادلة، هو أن الهوة المتزايدة بين العديد من الأنظمة الإسلامية ومواطنيها قد تعطّل قدرة تلك الحكومات في التعاون حول قضايا ذات أهمية حيوية بالنسبة للولايات المتحدة. هذه الضغوطات الداخلية سوف تحدّ كثيراً من قدرة العديد من أنظمة العالم الإسلامي على توفير العون، أو حتى الموافقة على الجهود الأميركية الرامية إلى مكافحة الإرهاب أو التعامل مع انتشار أسلحة الدمار الشامل.
خلال الأشهر القليلة الماضية، قمت بزيارة لمصر وباكستان والعديد من دول الخليج، من بينها العربية السعودية، وسنحت لي الفرصة لمناقشة هذه القضايا مع أناس ينتمون إلى تشكيلة واسعة من الخلفيات والاتجاهات. كان أكثر ما صدمني عدد الذين يشعرون بالإحباط بالنسبة لتقصير الولايات المتحدة في التحدث جهاراً بإسم الديمقراطية. فسكوتنا، في نظرهم، يعني الموافقة الضمنية على الحالة الراهنة. ليس هذا هو الواقع دون ريب، لكن محادثاتي أظهرت، عندما يتعلق الأمر بتنفيذ السياسة الخارجية، كيف يكون خطر الامتناع عن العمل مُساوٍ لخطر القيام بعمل.
قد يقول البعض إن الولايات المتحدة على استعداد فقط لمساندة النتائج الانتخابية التي ترضيها. ليس الأمر كذلك. الولايات المتحدة سوف تساند العمليات الديمقراطية حتى إذا كان الذين منحوا السلطة لا يختارون سياسات نحبذها. لكن دعوني أوضح هذه النقطة. علاقات الولايات المتحدة مع الحكومات، حتى لو انتخبت بنزاهة، سوف تتوقف على كيفية معاملة هذه الحكومات لشعوبها وكيف تتصرف على المسرح الدولي بالنسبة لقضايا تبدأ من الإرهاب مروراً بالتجارة وعدم انتشار المخدرات.