فهرس الكتاب
فإذا نظرنا إلى أفغانستان وباكستان فسنجد أن باكستان أقوى من حيث الجيش وتوافر السلاح، ولكن من كان أكثر في مواجهة الهجوم الأمريكي بعد 11 سبتمبر؟ والإجابة هي أن أفغانستان أثبتت من الصمود والقدرة أكثر من باكستان، كذلك نموذج مثل سوريا ولبنان؛ فنجد أن سوريا أكثر قوة وقدرة، ومع ذلك لا تستطيع أن تكون دولة مُحررة، في حين أن لبنان أضعف من حيث القوة، وجيشها ضعيف، واستطاعت أن تحرر الجنوب اللبناني بعد 22 سنة، وفي خلال 22 سنة لم تكن الأمور هادئة، كانت دائما هناك مقاومة، وكذا العلاقة في فلسطين.. العلاقة بين حركة المقاومة الشعبية والسلطة؛ فنجد أن حركة فتح تعد تنظيما أهليا وليست تابعة للسلطة، إذن فكل التحركات شعبية، أما السلطة فلديها من الضوابط ما يجعل قدراتها محدودة في مواجهة هذا الأمر، ونستطيع القول: إن حركات التحرر الوطني عموما هي حركات شعبية أكثر منها حركات متعلقة بالسلطة.
** ما موقف الدولة في ظل أجندة التحرر الوطني الجديدة؟ وهل هذا التوصيف (أي التحرر الوطني) يتعلق بمسألة الدولة الوطنية التي قد تقيد قوى المجتمع في مواجهة الخطر الخارجي وفي نفس الوقت تعطي المستعمر فرصة التحرك في الداخل؟
-لا بد من مواجهة هذه السياسات، ولن يكون هذا إلا بالعمل الشعبي، ولكن أساليب العمل الشعبي في مواجهة الدول تختلف تماما عن أساليب مقاومة الخطر الخارجي، ويعطينا الدرس الفلسطيني قدوة ومثلا مهمًّا الآن. فالفلسطينيون يستخدمون العنف ضد المحتلين الصهاينة، وكل الظروف تحاول أن تدفعهم للعراك مع فلسطين السلطة، وهم يتفادون هذا تماما، وقوّاهم الله على استبقاء هذا الأمر.
** نفهم من كلامك أنك ترفض أو لا تستسيغ استخدام الفلسطينيين للعنف..
-إذا كانت المقاومة الفلسطينية لا ترى أمامها إلا استخدام العنف لردع العدوان الأمريكي الصهيوني فلا بد من استخدامه، رغم أن ذلك قد يستخدم بالخارج على اعتبار أنه إرهاب، ولكنها ستستخدمه ثم تبرر موقفها لهؤلاء، إنما استخدام العنف ضد المواطنين -أوروبيين أو أجانب أو أمريكيين- في بلادهم خطأ محض، كذلك استخدام العنف ضد مدنيين في بلادنا خطأ محض، واستخدام العنف بين شعوبنا والحكومات مع الاختلافات القوية بينهما هو خطأ محض وضار، ولا بد من مقاومته بكل الوسائل؛ فهذا لا يمثلنا، ونتبرأ منه.
**يقودنا هذا الكلام إلى الحديث عن مفهوم اللاعنف الذي يتم إدراجه ضمن بنية الثقافة والفكر الإسلامي الذي يحاول إسقاط فكرة المقاومة المسلحة طارحًا أسبابًا كثيرة، مثل تغيير صورة العرب لدى الغرب، وعدم وجود توازن في القوة.. فهل أنت مع هذا المفهوم؟
-استخدام العنف يضر بك أكثر من غيرك؛ فالتضحيات الداخلية تكون أكثر من تضحيات غيرك؛ فأنت لا تلجأ إليها إلا إما حماقة أو مضطرًا، ودعنا من الحماقة لأنها خطأ؟ أما المضطر مثل المقاومة الفلسطينية أو في أفغانستان فمع أنه سيخسر فيها من الأرواح والقوى البشرية أكثر كثيرًا جدًّا مما يخسر المحتلون، فإنه ليس أمامه وسيلة أخرى؛ فهو يدافع عن بلده.
**قد تسقط مقاومة العنف بشكل مرحلي ضد العدوان أو الاستعمار، لكن هل ترى أن التطور العالمي والوضع الجديد يمكن أن يسقط الفكرة تمامًا لتكون فكرة النضال المدني بديلا عن العنف؟
-هذه أقاويل الأدباء والمفكرين، وإنما أنت تواجه اقتلاعًا بالقوة المسلحة في فلسطين والعراق وتهديد سوريا باستخدام العدوان المسلح. فمن الصعب استبعاد فكرة استخدام العنف مع وجود محتلين في أرض بلدك.. فكيف يمكن ذلك؟! فهل من انتهك حرمة البيت تستطيع أن تقنعه بالسلام؟ وحتى إذا طرأت فكرة أنه أقوى مني ففي حالة اقتحام بيتي لن أفكر بهذا الشكل، بل سألجأ إلى العنف بالطبع.
**ألم تقل من قبل إن هذا انتحار؟
-عندما تم التفاوض مع سعد زغلول بعد الحرب العالمية الأولى لأجل مؤتمر السلام دخل له العقلاء بالوفد وواجهوه بأنه متمسك بمطالب مستحيلة، وأنه يواجه أقوى دولة في العالم خرجت من الحرب العالمية منتصرة، ومعها دول أخرى؛ فكان رده كالتالي:"إنهم يسرقون الأوطان"، فالرد هنا لا يعتمد على مقياس ميزان القوة، ولكن هناك لصًّا يجب مواجهته، وليس أمام الفلسطينيين سوى العمليات الاستشهادية، فلا توجد أمامهم إمكانية أخرى، وإذا لم يفعلوا فسيقتلون يوميًّا، كما أنه ليست هناك وسيلة أمام أفغانستان والعراق سوى ما يفعلونه الآن.
**وهل يمكن للثقافة الفقهية أن تهضم هذا الكلام كنوع من غسيل المخ والتأثير الثقافي؛ وذلك لأن هناك مفكرين وبعض الشخصيات الإسلامية تطرح هذا الكلام باعتبار أن مسيرة البشرية تطورت، وأن صيغة الجهاد العنيف انتهت، والآن جاء دور جهاد الكلمة؟
-وهل كان عدوان الأمريكان عدوان كلمة؟!
**إن هذا الطرح موجه لنا، وليس للأمريكان!!