فهرس الكتاب
-نعم، ويجب أن نضع في اعتبارنا أن هناك قوى أخرى في أمريكا غير النظام الحاكم يجب أن نلتفت إليها، كذلك الالتفات إلى أوروبا وشعوبها. وفي الحقيقة أن الحملة العالمية التي تمت للضغط على الولايات المتحدة لعدم شن حرب ضد العراق في أوروبا وأمريكا يجب أن نلتفت لها ونشيد بها ونستجيب لها. فالحملة الأمريكية على العراق كانت من أجل مصالح نخب ودوائر استعمارية هناك، ولا علاقة لها بالضرورة بالشعوب.
**فما هي انعكاسات ذلك على حركات التحرر لدينا، خاصة أن هناك توجهًا عالميًّا لتحركات المجتمع المدني في مناطق مختلفة يمكن أن تنشأ معها أرضية مشتركة؟
-هذا كان موجودًا من قبل، مثلما كان موقف حزب العمال في بريطانيا في أوائل القرن العشرين من قضية الجلاء الإنجليزي عن مصر بعد احتلالها سنة 1882؛ فكان هناك الكثيرون ضد هذا الاحتلال؛ بمعنى أنه يوجد في الحضارة الغربية والتكوينات السياسية والاجتماعية الغربية من يستطيع أن يتفهم قضيتك ضد الاستعمار الغربي لك.
وقد تلاحظ هذه الظاهرة اليوم بشكل أكبر مما مضى، ولكن نستطيع القول بأنها كانت موجودة على الدوام، وذلك في القرن الـ19 والقرن الـ20؛ لأن الذي يحسمها في النهاية ضد حكوماتهم هو موقفك أنت من قضيتك ومدى قدرتك على أن تقاوم، وهذا يزيد من تأثيرك ومدى احترامك هناك ومدى قدرتك على التعامل مع هؤلاء المؤيدين.
**فما هي متطلبات التعامل مع هؤلاء؟
-لا تستطيع أن تضع منهجًا معينًا، ولكن هناك مبدأ أن تستجيب لوجود توجهات من هذا النوع في الرأي العام الأوروبي والأمريكي وتلقي الضوء عليه، أما وسائلها وأساليبها فينظر إليها في وضعها المناسب؛ فلا نستطيع أن نضع قاعدة، ولكن يجب أن يكون واضحًا في أذهاننا أثر أفعالنا على هؤلاء من غير أن يكون هذا الأثر هو الحاكم للموضوع.
**هل ترى أن على القوى الوطنية وبالذات الإسلامية المعارضة التي تسعى أمريكا للتفاهم معها قفزًا على الأنظمة الوطنية.. أن تقبل بالتفاهم معها من أجل بناء مشروع وطني قادم تسليما بموازين القوى، أم أن هذا يعد نوعا من الخروج على الوطنية؟
-السؤال عام، ولكن إذا خصصناه فأنا لا أتعاطف مع هذا؛ فالأمريكان يريدون استغلال أي إمكانية أمامهم بأقل خسائر ممكنة وبأكثر مكسب ممكن، وعندما يتحالف معك سيضربك قبل أن تلتقط أنفاسك (اضرب الأجير قبل أن يخرج عليك) فهو لن يلتفت إلى أنك تعبر عن شعب أو عن تاريخ أو تراث أو تعبر عن قومية، وفي النهاية لا يمثل ذلك بالنسبة له أي أهمية. ونجد أنه حتى كبار الساسة الأمريكيون يقفون علنًا جهارًا يقولون كلاما غير حقيقي وغير صحيح، ويعلم العالم كله أنه غير صحيح. ألم يحدث هذا في أحداث العراق في خلال 6 شهور في الصحافة وفي الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وحين قدم العراق أوراق برنامج التسلح اغتصبوا هذا الملف من الأمم المتحدة؟
هذه مشكلة داخلية يمكنك أن تحلها داخليًا وليس باللجوء إلى الأمريكان. هل الحرية هي أن تتكرر تجربة العراق في بقية بلادنا؟ إذا كانت هذه هي الحرية فسحقًا لها، وهل فينا من يقبل أن يعمل كذراع للأمريكان وهم ضد بلده؟!
**ما تقييمك لحركة التحرر الوطني التي أوجدت أرضية مشتركة، واستقطبت نخبًا مختلفة، وطرحت محاور سياسية وفكرية جديدة بالرغم من أنهم على أراض ثقافية وفكرية مختلفة؟
-بالنسبة للتوجه الإسلامي والعلماني بدأ هذا الصراع يخمد منذ 6 سنوات، والسبب أن كل طرف قدم كل ما عنده، أو ربما يعود إلى عدم وجود مردود عملي، أو لأن الحدود الفاصلة بين الاتجاهين أصبحت مثل الحدود الفاصلة بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية. وقد تكون الفُرجة الفكرية عند الجادين من الطرفين قلّت كثيرًا؛ فهناك بين المؤيدين للطرفين ما يجمعهم في موضوعات مشتركة حتى في موضوعات الحداثة والمعاصرة.
وأتصور أن الفرز اليوم يتحدد على أساس الموقف من الخطر الخارجي؛ فمثلا الشريعة الإسلامية موضوع جاد بالنسبة للتيار الإسلامي، وليس مطروحا أن يكون هناك تفاهم مع عدوان جاء ليقول: غيروا القرآن، كما أن هذا النوع هو ما يواجهه العلماني أيضًا الذي يجد أن العدوان الاستعماري له وجه ثقافي جارف. وفي الحقيقية أن الشدائد خلفت نوعًا من التقارب الثقافي لدى القوى الوطنية سواء كانت علمانية أو إسلامية.
**إذن هل نستطيع القول بأنه يجب أن نؤخر مطالب الشريعة الإسلامية في أجندة التيار الإسلامي؟
-إن ما يجب أن نضعه في الأولوية هو الخطر الخارجي السياسي والعسكري.
** هل يمكن طرح أمثلة من نوعية المعارف التي يجب أن نخطط لها في الفترة القادمة؟ قضية المرأة مثلا.. هل يعاد تعريفها في إطار وطني في الوقت الذي تطرح فيه أجندة المستعمر وضع المرأة في الدول العربية والإسلامية؟
-أعتبر أن هذه القضية ثانوية، والخلاف حولها ثانوي وليس لها أولوية، فليست هي قضية استقلال؛ فالاستقلال هو تحقيق إرادة سياسية، والمحافظة على الأمن القومي.
**هل يجب أن تحتل قضية تجديد الخطاب الديني أولوية عند التيار الإسلامي؟
-بطريقة ما وبما أحتاجه أنا فيه فالخطاب الديني يجدد ومجدد دائمًا باحتياجات ذاتية وأدوات ذاتية.