فَصْلٌ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَلَّى الْإِقَامَةَ مَنْ تَوَلَّى الْأَذَانَ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ رَأَى الْأَذَانَ فِي الْمَنَامِ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ: أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ ، فَأَذَّنَ بِلَالٌ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَنَا رَأَيْتُهُ ، وَأَنَا كُنْتُ أُرِيدُهُ .
قَالَ: أَقِمْ أَنْتَ .
وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ .
فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَوَلَّاهُمَا مَعًا وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ { إنَّ أَخَا صُدَاءٍ أَذَّنَ ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ } .
وَلِأَنَّهُمَا فِعْلَانِ مِنْ الذِّكْرِ ، يَتَقَدَّمَانِ الصَّلَاةَ ، فَيُسَنُّ أَنْ يَتَوَلَّاهُمَا وَاحِدٌ ، كَالْخُطْبَتَيْنِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ ، وَهَذَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، فَإِنْ سُبِقَ الْمُؤَذِّنُ بِالْأَذَانِ ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُقِيمَ ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَوْ أَعَادَ الْأَذَانَ كَمَا صَنَعَ أَبُو مَحْذُورَةَ ، كَمَا رَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ ، قَالَ: رَأَيْت رَجُلًا أَذَّنَ قَبْلَ أَبِي مَحْذُورَةَ قَالَ: فَجَاءَ أَبُو مَحْذُورَةَ فَأَذَّنَ ، ثُمَّ أَقَامَ .
أَخْرَجَهُ الْأَثْرَمُ .
فَإِنْ أَقَامَ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ فَلَا بَأْسَ ، وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ .
فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقِيمَ فِي مَوْضِعِ أَذَانِهِ .
قَالَ أَحْمَدُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُقِيمَ فِي مَكَانِهِ ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي فِيهِ شَيْءٌ إلَّا حَدِيثَ بِلَالٍ:"لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ"يَعْنِي لَوْ كَانَ يُقِيمُ فِي مَوْضِعِ صَلَاتِهِ ، لَمَا خَافَ أَنْ يَسْبِقَهُ بِالتَّأْمِينِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا كَانَ يُكَبِّرُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْإِقَامَةِ ، وَلِأَنَّ الْإِقَامَةَ شُرِعَتْ لِلْإِعْلَامِ ، فَشُرِعَتْ فِي