كَانَ قَبْلَ التَّيَمُّمِ ، إنْ كَانَ جُنُبًا ، أَوْ مُحْدِثًا ، أَوْ امْرَأَةً حَائِضًا ، وَلَوْ رَفَعَ الْحَدَثَ لَاسْتَوَى الْجَمِيعُ ؛ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الْوِجْدَانِ ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ ، فَلَمْ تَرْفَعْ الْحَدَثَ كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْمَاءَ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ فَرِيضَةً ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَا شَاءَ مِنْ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ ، سَوَاءٌ نَوَى فَرِيضَةً مُعَيَّنَةً أَوْ مُطْلَقَةً .
فَإِنْ نَوَى نَفْلًا أَوْ صَلَاةً مُطْلَقَةً ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ إلَّا نَافِلَةً .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَا شَاءَ ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ يَصِحُّ بِهَا النَّفَلُ ، فَصَحَّ بِهَا الْفَرْضُ ، كَطَهَارَةِ الْمَاءِ .
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ،
وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى .
وَهَذَا لَمْ يَنْوِي الْفَرْضَ ، فَلَا يَكُونُ لَهُ ، وَفَارَقَ طَهَارَةَ الْمَاءِ ؛ لِأَنَّهَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ الْمَانِعَ مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ ، فَيُبَاحُ لَهُ جَمِيعُ مَا يَمْنَعُهُ الْحَدَثُ .
وَلَا يَلْزَمُ اسْتِبَاحَةُ النَّفْلِ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَعْلَى مَا فِي الْبَابِ ، فَنِيَّتُهُ تَضَمَّنَتْ نِيَّةَ مَا دُونَهُ ، وَإِذَا اسْتَبَاحَهُ اسْتَبَاحَ مَا دُونَهُ تَبَعًا .
فَصْلٌ: إذَا نَوَى الْفَرْضَ اسْتَبَاحَ كُلَّ مَا يُبَاحُ بِالتَّيَمُّمِ مِنْ النَّفْلِ ، قَبْلَ الْفَرْضِ وَبَعْدَهُ ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، وَمَسِّ الْمُصْحَفِ ، وَاللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَتَطَوَّعُ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ بِصَلَاةٍ غَيْرِ رَاتِبَةٍ .
وَحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ تَبَعٌ لِلْفَرْضِ ، فَلَا يَتَقَدَّمُ الْمَتْبُوعَ .
وَلَنَا أَنَّهُ تَطَوُّعٌ ، فَأُبِيحَ لَهُ فِعْلُهُ إذَا نَوَى الْفَرْضَ ، كَالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ وَكَمَا بَعْدَ الْفَرْضِ .
وَقَوْلُهُ: إنَّهُ تَبَعٌ قُلْنَا: إنَّمَا هُوَ تَبَعٌ فِي الِاسْتِبَاحَةِ ، لَا فِي الْفِعْلِ ، كَالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، وَغَيْرِهِمَا .
وَإِنْ نَوَى نَافِلَةً أُبِيحَتْ لَهُ ، وَأُبِيحَ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ، وَمَسُّ الْمُصْحَفِ ، وَالطَّوَافُ ؛ لِأَنَّ النَّافِلَةَ آكَدُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَتَيْنِ مُشْتَرَطَتَانِ لَهَا بِالْإِجْمَاعِ ، وَفِي اشْتِرَاطِهِمَا لِمَا سِوَاهَا خِلَافٌ ، فَيَدْخُلُ الْأَدْنَى فِي الْأَعْلَى ، كَدُخُولِ النَّافِلَةِ فِي الْفَرِيضَةِ ؛ وَلِأَنَّ النَّفَلَ يَشْتَمِلُ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، فَنِيَّةُ النَّفْلِ