فَلَيْسَ هَذَا شَرِكَةً ، وَلَا مُضَارَبَةً ؛ لِأَنَّ شَرِكَةَ الْعِنَانِ تَقْتَضِي أَنْ يَشْتَرِكَا فِي الْمَالِ وَالْعَمَلِ ، وَالْمُضَارَبَةُ تَقْتَضِي أَنَّ لِلْعَامِلِ نَصِيبًا مِنْ الرِّبْحِ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ ، وَلَمْ يَجْعَلَا لَهُ هَاهُنَا فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ شَيْئًا .
وَإِنَّمَا جَعَلَا الرِّبْحَ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ ، وَعَمَلُهُ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ تَبَرُّعٌ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إبْضَاعًا ، وَهُوَ جَائِزٌ إنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِوَضًا عَنْ قَرْضٍ ، فَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ اقْتَرَضَ الْأَلْفَ أَوْ بَعْضَهَا مِنْ صَاحِبِهِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ عَمَلَهُ فِي مَالِ صَاحِبِهِ عِوَضًا عَنْ قَرْضِهِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ .
وَأَمَّا إذَا اشْتَرَكَ بَدَنَانِ بِمَالِ أَحَدِهِمَا ، مِثْلُ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا أَلْفًا وَيَعْمَلَانِ جَمِيعًا فِيهِ ، فَإِنَّ لِلْعَامِلِ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُضَارِبٌ مَحْضٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَعْمَلْ مَعَهُ رَبُّ الْمَالِ ، فَحَصَلَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الشَّرِكَةِ ، سَوَاءٌ مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُضَارَبَةِ الَّتِي فِيهَا شَرِكَةٌ عَلَى مَا شَرَحْنَا .
فَصْلٌ: وَمَنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْمُضَارَبَةِ تَقْدِيرُ نَصِيبِ الْعَامِلِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِالشَّرْطِ ، فَلَمْ يُقَدَّرْ إلَّا بِهِ .
وَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً .
وَلَمْ يُسَمِّ لِلْعَامِلِ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ ، فَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْمَالِ ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِ ، وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا .
لَكَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، فَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا .
وَلَنَا ، أَنَّ الْمُضَارِبَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ ، وَلَمْ يُوجَدْ .
وَقَوْلُهُ: مُضَارَبَةً .
اقْتَضَى أَنَّ لَهُ جُزْءًا مِنْ الرِّبْحِ مَجْهُولًا ، فَلَمْ تَصِحَّ الْمُضَارَبَةُ ، كَمَا لَوْ قَالَ: وَلَك جُزْءٌ مِنْ الرِّبْحِ .
فَأَمَّا إذَا قَالَ: وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا .
فَإِنَّ الْمُضَارَبَةَ تَصِحُّ ، وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إلَيْهِمَا إضَافَةً وَاحِدَةً ، لَمْ يَتَرَجَّحْ