عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُقِيلَ الْمُسْلِمَ جَمِيعَ الْمُسْلَمِ فِيهِ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِقَالَةَ لَيْسَتْ بَيْعًا ، وَلِأَنَّهَا تَجُوزُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَلَمْ تَكُنْ بَيْعًا كَالْإِسْقَاطِ ، وَلِأَنَّهَا تَتَقَدَّرُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ .
وَلَوْ كَانَتْ بَيْعًا لَمْ تَتَقَدَّرُ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ عَادَ إلَيْهِ الْمَبِيعُ بِلَفْظٍ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ ، فَكَانَ فَسْخًا ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ .
وَيَدُلُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّ مَا كَانَ فَسْخًا فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، كَانَ فَسْخًا فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا ، كَالرَّدِّ بِالْبَيْعِ وَالْفَسْخِ بِالْخِيَارِ ،
وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ الْفَسْخِ لَا تَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إلَى شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ ، وَالْأَصْلُ اعْتِبَارُ الْحَقَائِقِ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ كَيْلٍ ثَانٍ ، وَيَقُومُ الْفَسْخُ مَقَامَ الْبَيْعِ فِي إيجَابِ كَيْلٍ ثَانٍ ، كَقِيَامِ فَسْخِ النِّكَاحِ مَقَامَ الطَّلَاقِ فِي الْعِدَّةِ .
وَلَنَا أَنَّهُ فَسْخٌ لِلْبَيْعِ ، فَجَازَ قَبْلَ الْقَبْضِ ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَالتَّدْلِيسِ ، وَالْفَسْخِ بِالْخِيَارِ ، أَوْ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ .
وَفَارَقَ الْعِدَّةَ ، فَإِنَّهَا اُعْتُبِرَتْ لِلِاسْتِبْرَاءِ ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ فِي كُلِّ فُرْقَةٍ بَعْدَ الدُّخُولِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .
فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ بَيْعٌ .
لَمْ يَجُزْ قَبْلَ الْقَبْضِ ، فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبْضُ ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ مِنْ بَائِعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا يَجُوزُ ، كَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِهِ .
وَلَا يَسْتَحِقُّ بِهَا الشُّفْعَةَ إنْ كَانَتْ فَسْخًا ؛ لِأَنَّهَا رَفْعٌ لِلْعَقْدِ ، وَإِزَالَةٌ لَهُ ، وَلَيْسَتْ بِمُعَاوَضَةِ ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الْفُسُوخِ .
وَمَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ فَأَقَالَ ، لَمْ يَحْنَثْ .
وَلَوْ كَانَتْ بَيْعًا ، اُسْتُحِقَّتْ بِهَا الشُّفْعَةُ ، وَحَنِثَ الْحَالِفُ عَلَى تَرْكِ الْبَيْعِ بِفِعْلِهَا ، كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْبَيْعِ .
وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِمِثْلِ الثَّمَنِ ، سَوَاءٌ قُلْنَا: هِيَ فَسْخٌ أَوْ بَيْعٌ ؛ لِأَنَّهَا خُصَّتْ بِمِثْلِ الثَّمَنِ ، كَالتَّوْلِيَةِ .
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهَا تَجُوزُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ .
وَأَقَلَّ مِنْهُ إذَا قُلْنَا: إنَّهَا بَيْعٌ كَسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ .
فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَجُوزُ إلَّا بِمِثْلِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ ، فَأَقَالَ بِأَقَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ ، لَمْ تَصِحَّ الْإِقَالَةُ ، وَكَانَ الْمِلْكُ بَاقِيًا لِلْمُشْتَرِي .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَحُكِيَ عَنْ