يَحْصُلُ فِي الْغَالِبِ إلَّا بَعْدَ كُلْفَةٍ عَظِيمَةٍ ، وَمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ ، وَإِنْفَاقِ مَالٍ كَثِيرٍ ، فَفِي إبْطَالِهِمَا تَضْيِيعٌ لِمَالِهِ ، وَإِبْطَالٌ لِأَعْمَالِهِ الْكَثِيرَةِ ، وَقَدْ نُهِينَا عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ، وَإِبْطَالِ الْأَعْمَالِ ، وَلَيْسَ فِي تَرْكِ
الِاعْتِكَافِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ مَالٌ يَضِيعُ ، وَلَا عَمَلٌ يَبْطُلُ ، فَإِنَّ مَا مَضَى مِنْ اعْتِكَافِهِ ، لَا يَبْطُلُ بِتَرْكِ اعْتِكَافِ الْمُسْتَقْبَلِ ، وَلِأَنَّ النُّسُكَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى الْخُصُوص ، وَالِاعْتِكَافُ بِخِلَافِهِ .
الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ يَصِحُّ بِغَيْرِ صَوْمٍ .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .
وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الصَّوْمَ شَرْطٌ فِي الِاعْتِكَافِ .
قَالَ: إذَا اعْتَكَفَ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ .
وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَاللَّيْثُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قَالَ: لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ } .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ .
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، { أَنَّ عُمَرَ جَعَلَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: اعْتَكِفْ ، وَصُمْ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَلِأَنَّهُ لُبْثٌ فِي مَكَان مَخْصُوصٍ .
فَلَمْ يَكُنْ بِمُجَرَّدِهِ قُرْبَةً ، كَالْوُقُوفِ .
وَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي نَذَرْت فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْفِ بِنَذْرِك .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
وَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ شَرْطًا لَمَا صَحَّ اعْتِكَافُ اللَّيْلِ ، لِأَنَّهُ