الدَّيْنِ عَلَيْهِ مِنَّةٌ فِي قَبُولِهِ مِنْ غَيْرِ غَرِيمِهِ ، وَهَا هُنَا بِخِلَافِهِ ، وَلِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي أَنَّ الثَّمَنَ الَّذِي يَدْفَعُهُ الشَّفِيعُ حَقٌّ لِلْمُشْتَرِي عِوَضًا عَنْ هَذَا الْمَبِيعِ ، فَصَارَ كَالنَّائِبِ
عَنْ الْمُشْتَرِي فِي دَفْعِ الثَّمَنِ ، وَالْبَائِعُ كَالنَّائِبِ عَنْهُ فِي دَفْعِ الشِّقْصِ ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ ، فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مُقِرًّا بِقَبْضِ الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي ، بَقِيَ الثَّمَنُ الَّذِي عَلَى الشَّفِيعِ لَا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَقُولُ: هُوَ لِلْمُشْتَرِي .
وَالْمُشْتَرِي يَقُولُ: لَا أَسْتَحِقُّهُ .
فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يُقَالَ لِلْمُشْتَرِي: إمَّا أَنْ تَقْبِضَهُ ، وَإِمَّا أَنْ تُبْرِئَ مِنْهُ .
وَالثَّانِي ، يَأْخُذُهُ الْحَاكِمُ عِنْدَهُ .
وَالثَّالِثُ ، يَبْقَى فِي ذِمَّةِ الشَّفِيعِ .
وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ مَتَى ادَّعَاهُ الْبَائِعُ أَوْ الْمُشْتَرِي ، دُفِعَ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَأَحَدِهِمَا .
وَإِنْ تَدَاعَيَاهُ جَمِيعًا ، فَأَقَرَّ الْمُشْتَرِي بِالْبَيْعِ ، وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ قَبْضَ الثَّمَنِ ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَقَرَّ لَهُ بِهِ ، وَلِأَنَّ الْبَائِعَ إذَا أَنْكَرَ الْقَبْضَ ، لَمْ يَكُنْ مُدَّعِيًا لِهَذَا الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الشَّفِيعِ ثَمَنًا ، إنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَقَدْ أَقَرَّ بِالْقَبْضِ مِنْهُ ، وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ يَدَّعِيهِ ، وَقَدْ أَقَرَّ لَهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ ، فَوَجَبَ دَفْعُهُ إلَيْهِ .
الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ عَلَى الْفَوْرِ ، إنْ طَالَبَ بِهَا سَاعَةَ يَعْلَمُ بِالْبَيْعِ ، وَإِلَّا بَطَلَتْ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ: الشُّفْعَةُ بِالْمُوَاثَبَةِ سَاعَةَ يَعْلَمُ .
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَالْبَتِّيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْعَنْبَرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ