بِمَصَالِحِهِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ .
قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الصَّقْرِ ، فِي رَجُلَيْنِ أَحْيِيَا قِطْعَتَيْنِ مِنْ مَوَاتٍ ، وَبَقِيَتْ بَيْنَهُمَا رُقْعَةٌ ، فَجَاءَ رَجُلٌ لِيُحْيِيَهَا ، فَلَيْسَ لَهُمَا مَنْعُهُ وَقَالَ فِي جَبَّانَةٍ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ: مَنْ أَحْيَاهَا ، فَهِيَ لَهُ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: { مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ } .
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ
بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ الْعَقِيقَ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ بَيْنَ عِمَارَةِ الْمَدِينَةِ .
وَلِأَنَّهُ مَوَاتٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَصْلَحَةُ الْعَامِرِ ، فَجَازَ إحْيَاؤُهُ ، كَالْبَعِيدِ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَاللَّيْثُ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَظِنَّةِ تَعَلُّقِ الْمَصْلَحَةِ بِهِ ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى فَتْحِ بَابٍ فِي حَائِطِهِ إلَى فِنَائِهِ ، وَيَجْعَلَهُ طَرِيقًا ، أَوْ يَخْرُبَ حَائِطُهُ ، فَيَضَعَ آلَاتِ الْبِنَاءِ فِي فِنَائِهِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ الْبَعِيدِ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ يَفْصِلُ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ سِوَى الْعُرْفِ .
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدُّهُ غَلْوَةٌ ، وَهِيَ خُمْسُ الْفَرْسَخِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: حَدُّ الْبَعِيدِ هُوَ الَّذِي إذَا وَقَفَ الرَّجُلُ فِي أَدْنَاهُ ، فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ ، لَمْ يَسْمَعْ أَدْنَى أَهْلِ الْمِصْرِ إلَيْهِ .
وَلَنَا ، أَنَّ التَّحْدِيدَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ ، وَلَا يُعْرَفُ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ ، وَلَمْ يَرِدْ مِنْ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ تَحْدِيدٌ ، فَوَجَبَ أَنْ يُرْجَعَ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ ، كَالْقَبْضِ وَالْإِحْرَازِ .
وَقَوْلُ مَنْ حَدَّدَ هَذَا تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ تَحْدِيدِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ ، كَمِيلٍ وَنِصْفِ مِيلٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ .
وَهَذَا التَّحْدِيدُ الَّذِي ذَكَرَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مُخْتَصٌّ بِمَا قَرُبَ مِنْ الْمِصْرِ أَوْ الْقَرْيَةِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَدًّا لِكُلِّ مَا قَرُبَ مِنْ عَامِرٍ ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنَّ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا فِي مَوَاتٍ ، حَرُمَ إحْيَاءُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَوَاتِ عَلَى غَيْرِهِ ، مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِّ .
فَصْلٌ: وَجَمِيعُ الْبِلَادِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ سَوَاءٌ ، الْمَفْتُوحُ عَنْوَةً كَأَرْضِ الشَّامِ