مَعْدُومَةٌ قُلْنَا: هِيَ مُقَدَّرَةُ الْوُجُودِ ؛ لِأَنَّهَا جُعِلَتْ مَوْرِدًا لِلْعَقْدِ ، وَالْعَقْدُ لَا يَرِدُ إلَّا عَلَى مَوْجُودٍ .
فَصْلٌ: الْحُكْمُ الْخَامِسُ ، أَنَّ الْمُؤَجِّرَ يَمْلِكُ الْأُجْرَةَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ ، إذَا أَطْلَقَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْمُسْتَأْجِرُ أَجَلًا ، كَمَا يَمْلِكُ الْبَائِعُ الثَّمَنَ بِالْبَيْعِ .
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَمْلِكُهَا بِالْعَقْدِ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِهَا إلَّا يَوْمًا بِيَوْمٍ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ تَعْجِيلَهَا .
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إلَّا أَنْ تَكُون مُعَيَّنَةً ، كَالثَّوْبِ وَالْعَبْدِ وَالدَّارِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } فَأَمَرَ بِإِيتَائِهِنَّ بَعْدَ الْإِرْضَاعِ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوَفِّهِ أَجْرَهُ } .
فَتَوَعَّدَ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ دَفْعِ الْأَجْرِ بَعْدَ الْعَمَلِ .
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا حَالَّةُ الْوُجُوبِ .
وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ {: أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفّ عَرَقُهُ } .
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَلِأَنَّهُ عِوَضٌ لَمْ يَمْلِكْ مُعَوَّضَهُ ، فَلَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهُ ، كَالْعِوَضِ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ ، فَإِنَّ الْمَنَافِعَ مَعْدُومَةٌ لَمْ تُمْلَكْ ، وَلَوْ مُلِكَتْ فَلَمْ يَتَسَلَّمْهَا ، لِأَنَّهُ يَتَسَلَّمُهَا شَيْئًا فَشَيْئًا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعِوَضُ مَعَ تَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ فِي الْعَقْدِ .
وَلَنَا أَنَّهُ عِوَضٌ أُطْلِقَ ذِكْرُهُ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ ، فَيُسْتَحَقُّ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ ، كَالثَّمَنِ وَالصَّدَاقِ .
أَوْ نَقُولُ عِوَضٌ فِي عَقْدٍ يَتَعَجَّلُ بِالشَّرْطِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَجَّلَ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ ، كَاَلَّذِي ذَكَرْنَا .
فَأَمَّا الْآيَةَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْإِيتَاءَ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْإِرْضَاعِ ، أَوْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَإِذَا