مَئُونَتُهُمْ ، فِي مُضِيِّهِ وَرُجُوعِهِ ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَهُمْ أَحْوَجُ ، وَحَقُّهُمْ آكَدُ ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ .
وَأَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُ هُوَ وَأَهْلُهُ إلَيْهِ ، مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَأَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ ، فَهُوَ آكَدُ ، وَلِذَلِكَ مَنَعَ الزَّكَاةَ ، مَعَ تَعَلُّقِ حُقُوقِ الْفُقَرَاءِ بِهَا ، وَحَاجَتِهِمْ إلَيْهَا ، فَالْحَجُّ الَّذِي هُوَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْلَى ، وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ ، أَوْ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، كَزَكَاةٍ فِي ذِمَّتِهِ ، أَوْ كَفَّارَاتٍ وَنَحْوِهَا .
وَإِنْ احْتَاجَ إلَى النِّكَاحِ ، وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ ، قَدَّمَ التَّزْوِيجَ ، لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ، وَلَا غِنَى بِهِ عَنْهُ ، فَهُوَ كَنَفَقَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ ، قَدَّمَ الْحَجَّ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ تَطَوُّعٌ ، فَلَا يُقَدَّمُ عَلَى الْحَجَّ الْوَاجِبِ .
وَإِنْ حَجَّ مَنْ تَلْزَمُهُ هَذِهِ الْحُقُوقُ وَضَيَّعَهَا ، صَحَّ حَجُّهُ ؛ لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِذِمَّتِهِ ، فَلَا تَمْنَعُ صِحَّةَ فِعْلِهِ .
فَصْلٌ: وَمَنْ لَهُ عَقَارٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِسُكْنَاهُ ، أَوْ سُكْنَى عِيَالِهِ ، أَوْ يَحْتَاجُهُ إلَى أُجْرَتِهِ لِنَفَقَةِ نَفْسِهِ أَوْ عِيَالِهِ ، أَوْ بِضَاعَةٌ مَتَى نَقَصَهَا اخْتَلَّ رِبْحُهَا فَلَمْ يَكْفِهِمْ ، أَوْ سَائِمَةٌ يَحْتَاجُونَ إلَيْهَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهِ ، لَزِمَهُ بَيْعُهُ فِي الْحَجِّ .
فَإِنْ كَانَ لَهُ مَسْكَنٌ وَاسِعٌ يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ ، وَأَمْكَنَهُ بَيْعُهُ وَشِرَاءُ مَا يَكْفِيهِ ، وَيَفْضُلُ قَدْرُ مَا يَحُجُّ بِهِ ، لَزِمَهُ .
وَإِنْ كَانَتْ لَهُ كُتُبٌ يَحْتَاجُ إلَيْهَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ بَيْعُهَا فِي الْحَجِّ .
وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا ، أَوْ كَانَ لَهُ بِكِتَابٍ نُسْخَتَانِ ، يَسْتَغْنِي بِأَحَدِهِمَا ، بَاعَ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيءٍ بَاذِلٍ لَهُ يَكْفِيهِ لِلْحَجِّ ، لَزِمَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مُعْسِرٍ ، أَوْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ عَلَيْهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ .