وَلِأَنَّ فِيهِ غَرَرًا لِأَنَّنَا لَا نَأْمَنُ الْفَسْخَ بِتَعَذُّرِ أَحَدِهِمَا ، فَلَا يَعْرِفُ بِمَ يَرْجِعُ ؟ وَهَذَا غَرَرٌ أَثَّرَ مِثْلُهُ فِي السَّلَمِ .
وَبِمِثْلِ هَذَا عَلَّلْنَا مَعْرِفَةَ صِفَةِ الثَّمَنِ وَقَدْرِهِ .
وَقَدْ ذَكَرْنَا ثَمَّ وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ، فَيُخَرَّجُ هَاهُنَا مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ .
وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يُسْلِمَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ إلَى أَجَلَيْنِ ، وَلَا يُبَيِّنَ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، كَذَا هَاهُنَا .
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا فِي كُرِّ حِنْطَةٍ ، حَتَّى يُبَيِّنَ حِصَّةَ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الثَّمَنِ .
وَالْأَوْلَى صِحَّةُ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ بَعْضُ الْمُسْلَمِ فِيهِ ، رَجَعَ بِقِسْطِهِ مِنْهُمَا ؛ إنْ تَعَذَّرَ النِّصْفُ رَجَعَ بِنِصْفِهِمَا ، وَإِنْ تَعَذَّرَ الْخُمْسُ رَجَعَ بِدِينَارِ وَعَشْرَةِ دَرَاهِمَ .
مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ: ( وَإِذَا أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ ، عَلَى أَنْ يَقْبِضَهُ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَجْزَاءً مَعْلُومَةً ، فَجَائِزٌ )
قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الرَّجُلُ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ الدَّرَاهِمَ فِي الشَّيْءِ يُؤْكَلُ ، فَيَأْخُذُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ تِلْكَ السِّلْعَةِ شَيْئًا ؟ فَقَالَ: عَلَى مَعْنَى السَّلَمِ إذًا ؟ فَقُلْت: نَعَمْ .
قَالَ: لَا بَأْسَ .
ثُمَّ قَالَ: مِثْلُ الرَّجُلِ الْقَصَّابِ ، يُعْطِيه الدِّينَارَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ رِطْلًا مِنْ لَحْمٍ قَدْ وَصَفَهُ .
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا أَسْلَمَ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ إلَى أَجَلَيْنِ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ مَا يُقَابِلُ أَبْعَدَهُمَا أَجَلًا أَقَلُّ مِمَّا يُقَابِلُ الْآخَرَ ، وَذَلِكَ مَجْهُولٌ ، فَلَمْ يَجُزْ .
وَلَنَا ، أَنَّ كُلَّ بَيْعٍ جَازَ فِي أَجَلٍ وَاحِدٍ ، جَازَ فِي أَجَلَيْنِ وَآجَالٍ ، كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ ، فَإِذَا قَبَضَ الْبَعْضَ وَتَعَذَّرَ قَبْضُ الْبَاقِي ، فَفَسَخَ الْعَقْدَ ، رَجَعَ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، وَلَا يَجْعَلُ لِلْبَاقِي فَضْلًا عَنْ الْمَقْبُوضِ ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ وَاحِدٌ مُتَمَاثِلُ الْأَجْزَاءِ ، فَيُقَسِّطُ الثَّمَنَ عَلَى أَجْزَائِهِ بِالسَّوِيَّةِ ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَ أَجَلُهُ .