السَّفَرَ مَعْنًى لَوْ وُجِدَ لَيْلًا وَاسْتَمَرَّ فِي النَّهَارِ لَأَبَاحَ الْفِطْرَ ، فَإِذَا وُجِدَ فِي أَثْنَائِهِ أَبَاحَهُ كَالْمَرَضِ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِمَا فِي إبَاحَةِ الْفِطْرِ بِهِمَا ، فَأَبَاحَهُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ كَالْآخَرِ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، وَهُوَ قَوْلُ مَكْحُولٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بِالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فِيهَا غَلَبَ حُكْمُ الْحَضَرِ ، كَالصَّلَاةِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِلْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ يُفَارِقُ الصَّلَاةَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ يَلْزَمُ إتْمَامُهَا بِنِيَّتِهِ ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ حَتَّى يُخَلِّفَ الْبُيُوتَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ، يَعْنِي أَنَّهُ يُجَاوِزُهَا وَيَخْرُجُ مِنْ بَيْن بُنْيَانِهَا .
وَقَالَ الْحَسَنُ: يُفْطِرُ فِي بَيْتِهِ ، إنْ شَاءَ ، يَوْمَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ .
وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَطَاءٍ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَوْلُ الْحَسَنِ قَوْلٌ شَاذٌّ ، وَلَيْسَ الْفِطْرُ لِأَحَدٍ فِي الْحَضَرِ
فِي نَظَرٍ وَلَا أَثَرٍ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ خِلَافُهُ .
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ، قَالَ: أَتَيْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ ، وَهُوَ يُرِيدُ السَّفَرَ ، وَقَدْ رُحِّلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ ، وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ ، فَقُلْت لَهُ: سُنَّةٌ ؟ فَقَالَ: سُنَّةٌ .
ثُمَّ رَكِبَ .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } .
وَهَذَا شَاهِدٌ ، وَلَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُسَافِرًا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْبَلَدِ ، وَمَهْمَا كَانَ فِي الْبَلَدِ فَلَهُ أَحْكَامُ الْحَاضِرِينَ ، وَلِذَلِكَ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ .
فَأَمَّا أَنَسٌ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ بَرَزَ مِنْ الْبَلَدِ خَارِجًا مِنْهُ ، فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ فِي مَنْزِلِهِ ذَلِكَ .
فَصْلٌ: وَإِنْ نَوَى الْمُسَافِرُ الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ، فَلَهُ ذَلِكَ .
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ ، فَقَالَ مَرَّةً: لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: إنَّ