فَصْلٌ: فَإِنْ شَرَطَ مُلَاءَةَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ ، فَبَانَ مُعْسِرًا ، رَجَعَ عَلَى الْمُحِيلِ .
وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَرْجِعُ ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ لَا تُرَدُّ بِالْإِعْسَارِ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ الْمُلَاءَةَ ، فَلَا تُرَدُّ بِهِ ، وَإِنْ شَرَطَ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ كَوْنَهُ مُسْلِمًا ، وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ ؛ فَإِنَّ الْفَسْخَ يَثْبُتُ بِالْإِعْسَارِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، بِخِلَافِ الْحَوَالَةِ .
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ } .
وَلِأَنَّهُ شَرَطَ مَا فِيهِ مَصْلَحَةُ الْعَقْدِ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ ، فَيَثْبُتُ الْفَسْخُ بِفَوَاتِهِ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ صِفَةً فِي الْمَبِيعِ ، وَقَدْ يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ مَا لَا يَثْبُتُ بِإِطْلَاقِ الْعَقْدِ ، بِدَلِيلِ اشْتِرَاطِ صِفَةٍ فِي الْمَبِيعِ .
فَصْلٌ: وَلَوْ لَمْ يَرْضَ الْمُحْتَالُ بِالْحَوَالَةِ ، ثُمَّ بَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا أَوْ مَيِّتًا ، رَجَعَ عَلَى الْمُحِيلِ ، بِلَا خِلَافٍ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الِاحْتِيَالُ عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ لِمَا عَلَيْهِ فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ ، وَإِنَّمَا { أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبُولِ الْحَوَالَةِ إذَا أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ ، } وَلَوْ أَحَالَهُ عَلَى مَلِيءٍ فَلَمْ يَقْبَلْ حَتَّى أَعْسَرَ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ أَيْضًا ، عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِكَوْنِهِ اشْتَرَطَ فِي بَرَاءَةِ الْمُحِيل إبْدَاءَ رِضَى الْمُحْتَالِ .
الْمَلِيءُ: هُوَ الْقَادِرُ عَلَى الْوَفَاءِ .
جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضُ الْمَلِيءَ غَيْرَ الْمُعْدِمِ .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِرَقِيِّ أَرَادَ بِالْمَلِيءِ هَاهُنَا الْقَادِرَ عَلَى الْوَفَاءِ غَيْرَ الْجَاحِدِ وَلَا الْمُمَاطِلِ .
قَالَ أَحْمَدُ فِي تَفْسِيرِ الْمَلِيءِ ، كَأَنَّ الْمَلِيءَ عِنْدَهُ ، أَنْ يَكُونَ مَلِيًّا