كَاَلَّذِي لَمْ يَفْسُدْ ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّ التَّفْرِيقُ بِمَوْضِعِ الْجِمَاعِ ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَذْكُرُهُ بِرُؤْيَةِ مَكَانِهِ ، فَيَدْعُوهُ ذَلِكَ إلَى فِعْلِهِ .
وَمَعْنَى التَّفَرُّقِ أَنْ لَا يَرْكَبَ مَعَهَا فِي مَحْمِلٍ ، وَلَا يَنْزِلَ مَعَهَا فِي فُسْطَاطٍ وَنَحْوِهِ .
قَالَ أَحْمَدُ: يَتَفَرَّقَانِ فِي النُّزُولِ ، وَفِي الْمَحْمِلِ وَالْفُسْطَاطِ ، وَلَكِنْ يَكُونُ بِقُرْبِهَا .
وَهَلْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ أَوْ يُسْتَحَبُّ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا ، لَا يَجِبُ .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّفَرُّقُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ إذَا أَفْسَدَاهُ ، كَذَلِكَ الْحَجُّ .
وَالثَّانِي: يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَمَّنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ الْأَمْرُ بِهِ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا ، وَلِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ يُذَكِّرُ الْجِمَاعَ ، فَيَكُونُ مِنْ دَوَاعِيهِ .
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ
حِكْمَةَ التَّفْرِيقِ الصِّيَانَةُ عَمَّا يُتَوَهَّمُ مِنْ مُعَاوَدَةِ الْوِقَاعَ عِنْدَ تَذَكُّرِهِ بِرُؤْيَةِ مَكَانِهِ ، وَهَذَا وَهْمٌ بَعِيدٌ لَا يَقْتَضِي الْإِيجَابَ .
فَصْلٌ: وَالْعُمْرَةُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ كَالْحَجِّ ، فَإِنْ كَانَ الْمُعْتَمِرُ مَكِّيًّا ، أَحْرَمَ بِهَا مِنْ الْحِلِّ ، أَحْرَمَ لِلْقَضَاءِ مِنْ الْحِلِّ ، وَإِنْ كَانَ أَحْرَمَ بِهَا مِنْ الْحَرَمِ ، أَحْرَمَ لِلْقَضَاءِ مِنْ الْحِلِّ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَكِّيِّ وَمَنْ حَصَلَ بِهَا مِنْ الْمُجَاوِرِينَ .
وَإِنْ أَفْسَدَ الْمُتَمَتِّعُ عُمْرَتَهُ ، وَمَضَى فِي فَاسِدِهَا ، فَأَتَمَّهَا ، فَقَالَ أَحْمَدُ: يَخْرُجُ إلَى الْمِيقَات ، فَيُحْرِمُ مِنْهُ لِلْحَجِّ ، فَإِنْ خَشِيَ الْفَوَاتَ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ ، وَعَلَيْهِ دَمٌ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ الَّتِي أَفْسَدَهَا ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ يَذْبَحُهُ إذَا قَدِمَ مَكَّةَ ، لِمَا أَفْسَدَ مِنْ عُمْرَتِهِ .
وَلَوْ أَفْسَدَ الْحَاجُّ حَجَّتَهُ ، وَأَتَمَّهَا ، فَلَهُ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ ، كَالْمَكِّيِّينَ .
فَصْلٌ: وَإِذَا أَفْسَدَ الْقَضَاءَ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ ، وَإِنَّمَا يَقْضِي عَنْ الْحَجِّ الْأَوَّلِ ، كَمَا لَوْ أَفْسَدَ قَضَاءَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ ، وَجَبَ الْقَضَاءُ لِلْأَصْلِ ، دُونَ الْقَضَاءِ ، كَذَا هَاهُنَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَزْدَادُ بِفَوَاتِهِ ، وَإِنَّمَا يَبْقَى مَا كَانَ وَاجِبًا فِي الذِّمَّةِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ، فَيُؤَدِّيهِ الْقَضَاءُ .