الرَّابِعُ ، أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَحْرُمُ الْمُسَاوَمَةُ .
وَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْخِطْبَةِ ، اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ .
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ إبَاحَةُ السَّوْمِ وَالْخِطْبَةِ ، فَحَرُمَ مَنْعُ مَا وُجِدَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِالرِّضَا ، وَمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .
وَلَوْ قِيلَ بِالتَّحْرِيمِ هَاهُنَا ، لَكَانَ وَجْهًا حَسَنًا ، فَإِنَّ النَّهْيَ عَامٌ خَرَجَتْ مِنْهُ الصُّوَرُ الْمَخْصُوصَةُ بِأَدِلَّتِهَا ، فَتَبْقَى هَذِهِ الصُّورَةُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ .
وَلِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ دَلِيلُ الرِّضَا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ ، وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ الدَّلِيلِ بَعْدَ التَّسَاوِي فِي الدَّلَالَةِ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا ؛ لِأَنَّهَا جَاءَتْ مُسْتَشِيرَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى الرِّضَا ، فَكَيْفَ تَرْضَى وَقَدْ نَهَاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: لَا تُفَوِّتِينَا بِنَفْسِك .
فَصْلٌ بَيْعُ التَّلْجِئَةِ بَاطِلٌ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: هُوَ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ تَمَّ بِأَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ ، خَالِيًا عَنْ مُقَارَنَةِ مُفْسِدٍ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى شَرْطٍ فَاسِدٍ ، ثُمَّ عَقَدَا الْبَيْعَ بِغَيْرِ شَرْطٍ .
وَلَنَا ، أَنَّهُمَا مَا قَصَدَا الْبَيْعَ ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُمَا كَالْهَازِلَيْنِ ، وَمَعْنَى بَيْعِ التَّلْجِئَةِ ، أَنْ يَخَافَ أَنْ يَأْخُذَ السُّلْطَانُ أَوْ غَيْرُهُ مِلْكَهُ فَيُوَاطِئَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يُظْهِرَا أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ ، لِيَحْتَمِيَ بِذَلِكَ ، وَلَا يُرِيدَانِ بَيْعًا حَقِيقِيًّا .
وَهُوَ أَنْ يَخْرُجَ الْحَضَرِيُّ إلَى الْبَادِي ، وَقَدْ جَلَبَ السِّلْعَةَ ، فَيُعَرِّفَهُ السِّعْرَ ، وَيَقُولَ: أَنَا أَبِيعُ لَك .
فَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ: دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقْ